بقلم زكية لعروسي
في ليال طويلة تذكّرنا بملاحم هوميروس، لا تزال نيران الحرب الأوكرانية تتأجج، وكأنها قدر مكتوب على صفحات التاريخ التي ترفض أن تطوى. في اليوم الألف والأربعمائة والثاني والأربعين من هذا الصراع الذي يجمع بين أسلحة العصر الحديدي وأساطير القوميات الحديثة، إلتقى المتنازعون في واحة أبوظبي الذهبية، كحجاج إلى ضريح السلام، لكنهم عادوا محملين بوعود جوفاء وغيوم من اليأس.
“مفاوضات السلام”, هذه العبارة التي تتردد كتعويذة سحرية في أروقة الدبلوماسية العالمية، تحولت في أبوظبي إلى لحظة شبه أسطورية، حيث يجلس الأعداء على طاولة واحدة ككهنة في معبد قديم، يقدمون قرابين من الكلمات بينما تتدلى السيوف فوق رؤوسهم. كانت التوقعات عالية كبرج خليفة، لكن النتائج كانت منخفضة كوهم في صحراء.
ما حدث في أبوظبي ليس مجرد فشل دبلوماسي، بل هو تجسيد لصراع القيم الكوني. من جهة، الرغبة الأوكرانية في الحفاظ على “الجسد الوطني” سليما- ذلك المفهوم الحديث الذي يحوّل الأرض إلى كائن حي ينزف عند قطعه. ومن جهة أخرى، الحلم الروسي بإمبراطورية تعود من عالم الأشباح، كطائر الفينيق الذي ينهض من رمزية القياصرة.
ففي مشهد يذكرنا بعصور بدائية لتبادل الهدايا بين القبائل المتحاربة، تم تبادل 314 أسيرا (157 لكل جانب)، كقطع شطرنج حية تعبر الحدود بين عالمين متوازيين. هؤلاء الرجال والنساء الذين تحولوا من جنود إلى سلعة تفاوضية، يعودون إلى أوطانهم كأشباح تحمل ذكريات الأسر، مثل أبطال الإلياذة العائدين من عالم الموتى. كل أسير معاد هو “زمن مسروق” يسترد، هو “ذاكرة حية” تنتقل بين المتصارعين. لكن هذا التبادل، برغم إنسانيته الظاهرة، يشبه تبادل الرهائن في الملاحم القديمة، فعل ضرورة لا ينم عن تغير في قلوب المتحاربين، بل عن حساب براغماتي بحت. إنه إعتراف ضمني بأن الحرب أصبحت نظاما قائما بذاته، له قوانينه وطقوسه، بما فيها طقوس التبادل المؤقت للضحايا.
تصريحات الرئيس الفرنسي عن رغبته في الاتصال ببوتين، ورد لافروف الساخر الذي وصفها بـ”الدبلوماسية البائسة”، تكشف عن مسرحية كبرى تمتد جذورها إلى تاريخ العلاقات الأوروبية-الروسية. ماكرون، وريث بلد عرف المجد الإمبراطوري، يحاول أن يلعب دور الوسيط العالمي، ككاهن أوروبي قديم يحاول إستدعاء أرواح السلام من مقابر الحروب السابقة.
إنها محاولة لإعادة تمثيل دور شارلمان أو نابليون…القادة الذين حاولوا جمع أوروبا تحت مظلة واحدة. لكن بوتين، وريث بيزنطة والإمبراطورية الروسية، يرفض أن يكون مجرد لاعب في مسرحية غربية. رده عبر لافروف هو إعادة تأكيد للاستقلال الحضاري الروسي، وكأنه يقول: “نحن لسنا فرعا من أوروبا، بل نحن عالم مواز له تاريخه الخاص وأساطيره المتميزة”. هذه الحرب، بكل تعقيداتها، ليست مجرد صراع على الأرض أو موارد، بل هي صراع بين روايات تاريخية متنافسة، بين ذاكرتين جماعيتين تتصارعان على شرعية الوجود. الأوكرانيون يحاربون من أجل “فكرة وطن” حديثة، بينما الروس يحاربون من أجل “فكرة إمبراطورية” قديمة تعود بأشباحها.
المفاوضات الفاشلة في أبوظبي ليست نهاية القصة، بل فصل آخر في ملحمة إنسانية طويلة تذكرنا بأن البشر، رغم تقدمهم التكنولوجي المذهل، لا يزالون أسرى الأساطير التي ينسجونها حول هوياتهم وجغرافياتهم. فربما يحتاج السلام الحقيقي إلى أكثر من مفاوضات دبلوماسية؛ إنه يحتاج إلى إعادة تخيل جذري للعلاقات بين الأمم، إلى أسطورة جديدة تجمع بدلا من أن تفرق، تخلق بدلا من أن تدمر. لكن هل يمتلك قادة عصرنا الشجاعة الأسطورية اللازمة لكتابة هذه القصة الجديدة؟ التاريخ وحده سيجيب، وهو الذي لا يتوقف عن كتابة فصوله بدماء الأبرياء وأحلام القادة وخيبات الدبلوماسيين.
