منصة “الجزيرة”: سؤال المهنية وحدود الاستقرار

El Bachir Haymari

بقلم الإعلامي حميري البشير كوبنهاكن الدنمارك

لم تكن الإشكالية يوما في حق أي قناة إعلامية في النقد أو في مساءلة السياسات، فذلك من صميم العمل الصحفي النزيه. الإشكال الحقيقي يبدأ حين يغادر الإعلام دوره كمرآة للواقع، ليتحول إلى أداة لإعادة تشكيله وفق أجندات تتجاوز حدود المهنية، وتلامس تخوم التحريض والتأجيج. من هذا المنطلق يطرح كثير من المغاربة، ومعهم متابعون عرب، سؤالا مشروعا:
متى كانت قناة الجزيرة عاملا من عوامل الاستقرار في المغرب؟ بل متى تعاملت مع قضاياه المصيرية وفي مقدمتها -قضية الصحراء المغربية- بالمسافة نفسها التي تدّعيها حين تغطي ملفات أخرى؟

من السذاجة الاعتقاد بوجود إعلام «محايد» بالمطلق، لكن من الخطير أيضا ترويج خطاب يدّعي الاستقلالية بينما يمارس إنتقائية فاضحة في اختيار الضيوف، والزوايا، والمصطلحات، وحتى الصمت المريب أحيانا. فالجزيرة، منذ سنوات، لم تعد مجرد قناة إخبارية، بل صارت فاعلا سياسيا ناعما، يشتغل بلغة الصورة والخبر، ويعيد ترتيب الأولويات بما يخدم رؤية الدولة التي تحتضنها.

ولا يتعلق الأمر بعداء للمغرب وحده، بل بنمط متكرر في التعاطي مع عدد من الدول العربية، حيث يضخَّم الخلاف، وتُستدعى أصوات معروفة بعدائها المسبق، بينما يغيَّب الرأي الآخر. أو يختزل في دقائق شكلية. في الحالة المغربية، يبدو الاستهداف أكثر وضوحًا عند كل منعطف سياسي أو دبلوماسي يرسّخ موقع المملكة إقليميا ودوليا. فجأة تُبعث ملفات قديمة، وتستحضر روايات أحادية، ويُقدَّم الانفصال كـ«رأي»، بينما تُختزل الوحدة الترابية في «وجهة نظر رسمية».

الأكثر إثارة للقلق هو توظيف منصات رياضية وإعلامية فرعية لتمرير رسائل سياسية مشحونة، عبر أصوات لا تخفي عداءها للمغرب، وتستثمر شعبيتها الجماهيرية لتطبيع خطاب الإساءة والتحريض. وهنا يصبح السؤال مشروعا:
هل ما زلنا أمام إعلام رياضي، أم أمام خطاب سياسي متنكر في قميص الرياضة؟
تتذرع القناة، كلما وُجّه إليها نقد، بحرية التعبير. غير أن الحرية، في جوهرها، لا تنفصل عن المسؤولية، ولا تبرر التحريض, ولا تشرعن المسّ بوحدة الدول واستقرارها. فكيف تُفتح الشاشات على مصراعيها لخطاب عدائي تجاه المغرب،
بينما تُغلق بإحكام أمام أي نقاش جاد يمس سياسات دول أخرى أو حلفاء نافذين؟

هذا الكيل بمكيالين هو ما يفقد الخطاب الإعلامي مصداقيته, ويحوّل «السبق الصحفي» إلى أداة ضغط، و«الرأي» إلى موقف سياسي موجّه. المغرب، بتاريخ دولته العريق، وبمؤسساته، وبإجماع شعبه حول قضاياه المصيرية،أكبر من أن تهزه برامج أو أصوات مأجورة. غير أن ذلك لا يمنع من تسمية الأشياء بأسمائها, ومن مساءلة الإعلام حين ينحرف عن دوره. ويختار الاصطفاف بدل التحليل، والتحريض بدل الإخبار. فالخلاف السياسي مفهوم،أما التلاعب بالوعي الجماعي تحت غطاء الإعلام، فذلك خطر لا يهدد دولة بعينها، بل يضرب ما تبقى من ثقة المواطن العربي في الإعلام نفسه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *