بقلم زكية لعروسي
سقط تمثال “الرجل الأبيض النقي”… ليس تمثالا من رخام في ساحة عامة، بل تمثال الرجل-المؤسسة، الذي ظل لعقود ينحت بماء الذهب والنفوذ وسط أروقة الجمهورية الفرنسية. جاك لانغ، الوزير السابق، ورئيس معهد العالم العربي، الذي كان حتى الأمس القريب “ناصع البياض كالثلج” في عين نفسه، وجد نفسه فجأة في قلب عاصفة تجتث جذور شرعيته الأخلاقية. إستقالته، التي “اقترحها” قبل أن “يتخذ العلم بها” فورا من الإليزيه، ليست مجرد خاتمة وظيفية، بل هي إنكسار لنموذج كامل: نموذج النخبة الفرنسية القديمة التي تتصور نفسها بمنأى عن المحاسبة، “عاشت حياتها كلها بوصفها أشخاصا لا يمسّون”.
لم يكن السقوط بسبب إتهامات جنائية مباشرة (فهو ينفيها بشدة)، بل بسبب ذلك الظل الطويل القادم من جزيرة ليتل سانت جيمس، ظل جيفري إبستين، الذي لامس إسم لانغ فيه 673 مرة. صورة “الصداقة الساذجة” تهاوت تحت ثقل الرسائل التي تكشف علاقات مصلحة، وطلب خدمات (“هل يمكنني أن أسيء إليك مرة أخرى؟”)، وصفقة شراء, والأكثر إثارة، دوره كجسر محتمل بين الملياردير المثير للجدل وقصر الإليزيه. لقد غدا الثقل الرمزي للرجل، الذي كان يفترض به أن يجسد قيم التنوير والجسور الثقافية، عبئا لا يحتمل على مؤسسة بحساسية معهد العالم العربي.
هنا تكمن المفارقة العجيبة. المعهد، هذا الصرح المعماري الرائع على ضفة السين، بني ليكون جسرا حواريا بين ضفتي المتوسط. لكن إدارة لانغ الطويلة (منذ 2013)، انتهت بتحويل هذا الجسر إلى مرآة عاكسة لأزمة النخبة الفرنسية نفسها.
فالمدير الذي من مهمته نسج خيوط التفاهم، وجد نفسه محاصرا في شبكة من الظلال والشبهات المالية (تحقيق جنائي مفتوح في “النيابة المالية الوطنية” حول “تبييض غش ضريبي مقرون بظروف مشددة” يشمله ويشمل ابنته).
غدا المعهد، في نظر الكثيرين، لا رمزا للانفتاح، بل حيّزا منعزلا يديره “الرجل الذي لا يمس”. وهو ما دفع حتى رفاق دربه في الحزب الاشتراكي، مثل أوليفييه فور وسيغولين رويال، إلى المطالبة باستقالته “لحماية المؤسسة”. والآن، بعد أن جرف السقوط صورة الأب المؤسس التقليدي، يطل سؤال يحمل في طياته جرأة تاريخية: من سيرث الكرسي الفارغ؟
هل ستكرر فرنسا النمط الآمن، فتعيد تدوير وجه رجالي مألوف من دائرة النخبة الضيقة؟ أم أن اللحظة التاريخية تنادي بقطع جذري مع الماضي، ليس فقط على مستوى الأخلاقيات، بل على مستوى الصورة والرمز؟
هنا يولد التساؤل الفلسفي المدهش: أليس هذا هو الوقت المثالي لأن تتجرأ فرنسا، وتجلس إمرأة على كرسي رئاسة المعهد لأول مرة؟ وليس أي إمرأة، بل فرنسية من ثقافة شرقية, أو فرنسية من أصول عربية. تخيلوا القوة الرمزية الهائلة لمشهد كهذا: إمرأة تجسد في هويتها التأليف بين “النهرين الشرقي والغربي”، تجلس على رأس مؤسسة أنشئت بالشراكة بين فرنسا وإثنتين وعشرين دولة عربية.
إنها ليست مجرد خطوة نحو المساواة الجندرية؛ إنها رسالة سياسية ثقافية بالغة الذكاء. رسالة تقول: فرنسا ليست فقط من تتحدث عن العالم العربي، بل هي أيضا ذلك الفضاء الذي يزهر فيه العالم العربي بكل تنوعه، حتى في أعلى مراكز صناعة الثقافة وصياغة السرديات.
إمرأة من أصل مغربي أو تونسي أو جزائري، ممن تقلدن مهام قيادية ومررن بوزارة الثقافة أو التعليم، ستحمل معها لا شرعية سياسية فحسب، بل شرعية وجودية. ستجعل من المعهد ليس متحفا للتراث، بل ورشة حية للمستقبل.
سقوط جاك لانغ ليس قصة فشل شخصي فقط، بل نافذة أطلت منها فرنسا على مرآة أخلاقياتها. لكن في قلب كل أزمة، تكمن بذرة فرصة. الفرصة اليوم ليست فقط في “تطهير” المعهد من ظلال الماضي، بل في إعادة إختراعه جذريا. تعيين إمرأة فرنسية عربية الأصل في هذا المنصب سيكون أكثر من قرار إداري؛ سيكون عملا فنيا سياسيا باذخا، وصورة تثير الدهشة في سماء الدبلوماسية الثقافية.
إنه تحد لفرنسا: هل تستطيع أن تتحول من وصاية التاريخ إلى شراكة المستقبل؟ الجواب سيكتبه من يجلس على ذلك الكرسي الفارغ على ضفة نهر السين.

اقتراح تعيين امرأة فرنسية من أصول عربية هو عين الصواب ، انها بالفعل فرصة تاريخية تثبت فرنسا من خلالها ” الحكامة الثقافية ” المتوخاة من بلد الحريات ….