بين موسكو و بين الأطلسي…

بقلم زكية لعروسي

في ميونيخ، حيث تتقاطع خرائط الأمن مع ظلال التاريخ، وقف ماكرون كمن يرفع سيفا في وجه العاصفة. لم يكن الخطاب مجرّد ردّ على انتقادات عابرة، بل محاولة لإعادة رسم ملامح قارة طالها الغبار، ووصفها البعض بالشيخوخة السياسية والاقتصاد المتثاقل والضمير المرتبك.
من على منبر ندوة الأمن بميونخ، تحوّل الصوت الفرنسي إلى صدى أوروبي أوسع، يدافع عن قارة تتأرجح بين إرثها الثقيل ومستقبلها المعلّق على تخوم الحرب، ومحاكمة الكاريكاتيرات.

في السنوات الأخيرة، صوِّرت أوروبا كقلعة بيروقراطية باردة، تتكئ على قوانينها كما يتكئ شيخ على عصاه. قيل إنها مترددة، منقسمة، خائفة من ظلّها،بل وحتى متواطئة مع أفولها. غير أن الرئيس الفرنسي إيمانوييل ماكرون قلب المشهد: «خذوا المثال منا بدل أن تنتقدونا»، قالها كمن يزيح الغبار عن تمثال قديم ليكشف عن برونزيه اللامع. لم يكن دفاعه رومانسية سياسية، بل قراءة للواقع: أوروبا، رغم هشاشتها الظاهرة، لا تزال أكبر سوق موحّدة، وأحد أعمدة الديمقراطية الليبرالية، وقوة معيارية تصوغ القواعد أكثر مما تُصاغ عليها.

منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا، تحوّلت العلاقة بين الاتحاد الأوروبي وبوتين إلى معادلة صراع مفتوح: عقوبات اقتصادية، سباق تسلّح صامت، وخطاب سياسي يتراشق ككرات نار فوق بحر متجمّد. حتى لو وقّع السلام، ستبقى روسيا «عدوانية»، بصناعة دفاع «مفرطة النشاط» وجيش «متضخّم». إنها ليست حرب حدود فقط، بل حرب تصوّرات ورؤى للمستقبل.

هنا، تصبح الجغرافيا قدرا. أوروبا ليست بعيدة عن موسكو كما هي واشنطن؛ هي تعيش على تماس مباشر مع زلازلها. لذلك دعا ماكرون إلى أن تكون أوروبا جزءا من أي تسوية، لا متفرّجا على طاولة يجلس إليها الآخرون.
«يجب أن تتعلّم أوروبا أن تصبح قوة جيواستراتيجية»، قالها الرئيس الفرنسي وكأنه يعترف بنقطة ضعف تاريخية. فالقارة التي أتقنت فنّ سنّ القوانين، لم تتقن دائما فنّ عرض العضلات.

في عالم يتحدّث بلغة الردع، لم يعد يكفي أن تكون أخلاقيا؛ عليك أن تكون قادرا. دعا ماكرون إلى تطوير «صندوق أدوات» دفاعي، يشمل قدرات الضربات الدقيقة بعيدة المدى. ليست دعوة للحرب، بل لإعادة التوازن. فالدبلوماسية تحتاج إلى ظلّ عسكري يحميها، كما تحتاج الشجرة إلى جذور عميقة كي لا تقتلعها الرياح.
الانتقادات التي طالت أوروبا، سواء من ضفّتها الأطلسية أو من داخلها، لم تكن بلا أساس:

– انقسامات داخلية،
– صعود تيارات شعبوية،
– تباين في أولويات الأمن والطاقة والهجرة.

لكن ماكرون حاول أن يحوّل النقد إلى وقود. فبدل أن تتفتّت القارة تحت ضغط العواصف، دعاها إلى أن تتماسك كقوس مشدود. في لحظة دولية يختلط فيها الضباب بالبارود، تبدو أوروبا أمام خيارين: إما أن تظلّ موضوعا للنقاش، أو أن تصبح فاعلا يصوغ النقاش نفسه. ليست المسألة دفاعا عن سمعة جريحة، بل عن موقع في معادلة العالم. أوروبا، بين روسيا والولايات المتحدة، بين الحرب والسلام، تقف على حافة زمن جديد. وكلمات ماكرون لم تكن سوى محاولة لرسم جسر فوق هذه الحافة… جسر من إرادة سياسية، ومن قناعة بأن القارة التي أنجبت الثورات الفكرية قادرة، إن أرادت، أن تولد من جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *