معهد العالم العربي بصيغة المؤنث

بقلم د. زكية لعروسي

غدا، لن يفتح باب معهد العالم على شارع فحسب، بل على نبرة جديدة في صوته، على شال من الضوء ينسدل من شرفاته المطلة على السين. غدا تدخل آن كلير ليجاندر، لا كاسم في بيان، بل كنسمة تعيد ترتيب الهواء، كامرأة تعرف ان المعاهد ايضا تحتاج الى قلب، وان الثقافة حين تؤنث تصير أكثر قدرة على الإصغاء.

آن كلير ليجاندر، التي خبرت الخليج سفيرة في الكويت، لم تكن هناك مجرد ممثلة لبلادها، بل قارئة لنبض الرمل حين يهمس، ومترجمة لصوت اللؤلؤ وهو يتشكل في عتمة البحر. في الكويت تعلمت أن الدبلوماسية ليست فنا باردا، بل حرفة دفء، وان المجالس حين تضاء بالقهوة والحديث تصبح مختبرا للثقة، لا مجرد بروتوكول. هناك، بين زرقة الخليج وصفاء السماء، نسجت خيوط فهم عميق لكرامة المنطقة، لا بوصفها جغرافيا، بل روحا تمشي على قدمين. ثم جاء اشتغالها على قضايا المغرب العربي، كمن تدخل بستانا متعدد الظلال. عرفت تعقيدات الصحراء وهي تتحرك في خرائط السياسة، وقرأت تاريخ المدن التي تتقاطع فيها الأمازيغية بالعربية، والإفريقية بالمتوسطية. كانت تقترب من الملفات لا كمستندات، بل ككائنات حية: لكل ملف ذاكرة، ولكل ذاكرة جرح، ولكل جرح حكاية تنتظر من يصغي إليها بلا ضجيج. فكيف سيكون المعهد بين يديها؟ هل ستنحني المشربيات قليلا تصغي إلى خطاها؟ هل سيصير الحجر أكثر دفئا حين تمر يد امرأة تعرف أن الأنوثة ليست زينة، بل رؤية؟ وهل يمكن لمؤسسة أن تتعلم من امرأة كيف تمشي بخفة بين الذاكرة والحداثة، بين العاطفة والعقل؟

آن كلير لا تدخل المعهد لتديره فقط، بل لتبث فيه انوثة تتلاءم مع العروبة، أنوثة لا تذيب الهوية بل تصقلها، لا تهادن الاختلاف بل تحوله الى حوار. ستجلس على كرسي الإدارة كما تجلس راوية قديمة في ساحة مدينة عتيقة، تجمع الخيوط المتناثرة، وتعيد حياكة السردية: العرب هنا ليسوا صورة في معرض، بل شركاء في كتابة الغد. هي تعرف أن العروبة ليست شعارا، بل طبقات من اللغة والألم والفرح. تعرف ان المتوسط ليس فاصلا، بل مرآة مزدوجة. فهل ستجعل من المعهد بيتا تعبره الأصوات الشابة بلا خوف؟ هل سيصبح فضاء لتجريب أسئلة جديدة عن الهوية، عن المنفى، عن الذاكرة الرقمية، عن الفن الذي يولد بين لغتين؟

هنيئا لك يا آن كلير، يا من تحملين من الكويت خبرة الإصغاء الى الخليج، ومن المغرب العربي معرفة تعقيد الشمس حين تضرب رمال الصحراء. تهنئة لك وانت تدخلين معهدا سيصير بصيغة المؤنث، لا لان امرأة تديره فحسب، بل لأن روحا جديدة ستسري في ممراته. ليكن دخولك عبورا لا الى مكتب، بل الى حكاية. وليكن المعهد بين يديك فانوسا آخر على ضفة السين، يضيء لا ليبهر، بل ليفتح الأسئلة: كيف نصون الذاكرة بلا أن نسجنها؟ كيف نصنع حداثة لا تقطع جذورها؟ وكيف يمكن لامرأة، بخبرة الدبلوماسية وحنكة المعرفة، أن تجعل من الثقافة جسرا يمشي عليه الجميع بلا خوف؟
هنيئا لك هذا المقام، وهنيئا للمعهد أن يكتب اسمه هذه المرة بحبر امرأة تعرف ان الضوء لا يفرض نفسه، بل ينتشر بهدوء… ويغير كل شيء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *