باريس في الجزائر: دفء أم تصعيد؟

بقلم د. زكية لعروسي

في لحظة بدت كأنها انشقاق خفيف في صخر التاريخ، عادت باريس والجزائر الى طاولة واحدة، لا كخصمين يتهامسان فوق رماد القطيعة، بل كجارتين تتفحصان شقوق الجدار الذي طالما علا بينهما. زيارة لوران نانيز (Laurent Nuñez)إلى الجزائر ولقاؤه الرئيس عبد المجيد تبون (Abdelmadjid Tebboune) لم تكن مجرد بروتوكول أمني، بل كانت أشبه بفتح قوس في جملة معلقة منذ صيف 2024، يوم انقلبت الريح واشتد المد بين الضفتين. هذا الدفء الحذر، الذي سمي اعادة تفعيل التعاون الأمني، يخفي تحت سطحه طبقات من الرمل المتحرك. فالملفات التي عادت إلى التداول ليست تقنية فحسب: إعادة القبول، مكافحة الإرهاب، شبكات المخدرات، تبادل المعلومات. إنها مفاصل حساسة في جسد سيادة كل دولة، واعصاب متشابكة بين ذاكرة استعمارية لم تبرأ تماما، وواقع إقليمي مضطرب يمتد من الساحل إلى المتوسط.

الجزائر، التي عهدت في السنوات الاخيرة سياسة تصعيدية محسوبة، بدت كمن يختبر ميزان القوة لا ليكسره بل ليعيد ضبطه. منذ اعتراف باريس بخطة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية للصحراء الغربية، تلبدت السماء الدبلوماسية، وتراكمت الغيوم: سحب سفراء، تجميد تعاون، لغة إعلامية مشحونة، وملفات قضائية تحولت إلى رسائل سياسية. كان المشهد أقرب إلى مبارزة صامتة، حيث كل طرف يرفع مرآته لا سيفه. فما الذي تغير اليوم؟ هل هو إدراك فرنسي بأن المتوسط لم يعد بحيرة داخلية، وأن الجزائر ليست مجرد شريك ظرفي بل عقدة استراتيجية في معادلة الساحل والهجرة والطاقة؟ أم هو حساب جزائري يعيد قراءة الخريطة الدولية، في زمن تتزاحم فيه القوى الكبرى على الموانئ والغاز والعمق الإفريقي؟

التعاون الأمني هنا ليس تفصيلا، بل هو اختبار ثقة. حين تتبادل الدول معلوماتها الاستخباراتية، فهي تخلع درعا وتكشف عن جزء من نبضها الداخلي. وحين تتفق على إعادة رعايا في وضع غير نظامي، فهي تدخل منطقة شائكة تمس الرأي العام والكرامة الوطنية. فهل نحن أمام مصالحة مصالح، أم هدنة ضرورات؟ ثم ماذا عن الداخل في كلا البلدين؟ في فرنسا، تتنازع سرديتان واحدة ترى في الجزائر شريكا يجب احتضانه بعقل بارد، وأخرى تستحضر أشباح الماضي وتغذي خطاب القطيعة. وفي الجزائر، ثمة تيار يعتبر التشدد ضمانة سيادة، وآخر يرى في البراغماتية جسرا نحو نفوذ اقليمي اوسع. الحوار الحالي قد يكون مرآة لهذا الصراع الصامت داخل العاصمتين.

اللافت أن الجزائر، وهي التي رفعت سقف التصعيد في مراحل سابقة، لم تغلق الباب تماما. كانت تترك نافذة صغيرة في الجدار، كمن يدرك أن القطيعة الكاملة رفاهية لا تتحملها الجغرافيا. فالتاريخ بين البلدين ليس خطا مستقيما، بل موجة تعلو وتهبط. كل أزمة كانت تنتهي إلى صيغة ما، لا تلغي التوتر بل تعيد تدويره. فهل يشكل هذا القوس المفتوح بداية فصل جديد، أم مجرد استراحة بين عاصفتين؟ وهل يمكن للتعاون الأمني أن يسبق مصالحة الذاكرة، أم أن الجرح الرمزي سيظل قادرا على تعطيل أي تقارب عملي؟ وهل تدرك باريس أن التعامل مع الجزائر بمنطق الملف الواحد لم يعد مجديا، وأنها أمام دولة تسعى إلى تعريف دورها كقوة إقليمية مستقلة؟ وهل تراهن الجزائر على تعددية شركائها لانتزاع تنازلات، أم أنها تعيد صياغة علاقتها بفرنسا ضمن توازنات عالم متعدد الأقطاب؟

ربما يكون ما حدث أقل درامية مما يبدو، لكنه أعمق مما يقال. فحين تجلس دولتان مثقلتان بالتاريخ لتناقشا الأمن، فهما في الحقيقة تناقشان الخوف، والحدود، والذاكرة، وصورة كل منهما في عين الاخرى. والبحر بينهما، الذي كان يوما مسرح عبور وجراح، قد يتحول الى مساحة تفاوض صامتة، لا يغلق الصفحة، لكنه يتركها مفتوحة على احتمالات غير متوقعة.
هكذا، بين باريس والجزائر، لا يكتب الحوار بالحبر وحده، بل بمداد المصالح والظلال. قوس فتح في جدار الريح، لكن السؤال الأكبر: هل سيتحول الى بوابة، أم يبقى مجرد شق يمر منه الضوء ثم ينطفئ
بين باريس والجزائر: حين يفتح البحر نافذة في جدار الريح
.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *