فرنسا: رقم قياسي في زراعة الأعضاء

باريس..”العمق” الصحي

في سباق محموم بين الحياة والموت، حققت فرنسا العام الماضي إنجازاً طبياً غير مسبوق، تمثل في إجراء 6148 عملية زرع أعضاء، وهو أعلى رقم تسجله البلاد على الإطلاق. لكن خلف هذا الرقم القياسي، تختبئ حقيقة أكثر قسوة: أكثر من 23 ألف مريض ما زالوا عالقين في قوائم الانتظار، بينما فارق 966 شخصاً الحياة خلال 2025 وهم ينتظرون “النداء” الذي لم يأت قط. الأرقام التي كشفت عنها وكالة الطب الحيوي الفرنسية، الخميس، ترسم صورة متناقضة للقطاع. فبينما تحتل فرنسا المركز الثالث عالميا في النشاط الزراعي (خلف إسبانيا وهولندا)، فإن الطلب على الأعضاء يتزايد بمعدلات تنذر بأزمة إنسانية حقيقية.

الكلى.. العضو الأكثر طلبا

تتصدر الكلى قائمة الانتظار، إذ يحتاجها تسعة من كل عشرة مرضى مسجلين. ويؤكد مسؤولو الوكالة أن أكثر من 600 عملية جراحية أجريت بفضل متبرعين أحياء، وهي شريان حياة إضافي في بحر الاحتياجات المتصاعدة. غير أن المشكلة لا تكمن فقط في ندرة المتبرعين، بل في ظاهرة جديدة ومقلقة: “جدار الرفض” الذي باتت العائلات تبنيه أمام الأطباء.

حين يموت الأمل بسبب “فيديو” وهمي

في تطور لافت، كشفت الوكالة أن نسبة رفض العائلات للتبرع بأعضاء ذويها بعد الوفاة الدماغية قفزت إلى 37.1%، وهو أعلى مستوى يسجل على الإطلاق. وبحسب المسؤولين، فإن “الشتائم الإلكترونية” وموجات التضليل المنظمة على وسائل التواصل تلعب دورا رئيسيا في تراجع ثقة المواطنين. يقول بينوا أفيرلان، مدير عمليات استخراج الأعضاء: “التسجيل في سجلات الرفض يرتفع بشكل صاروخي بعد كل موجة من الأخبار الكاذبة، خاصة تلك التي تروج لأساطير حضرية عن استخراج أعضاء من أشخاص لا يزالون على قيد الحياة”.

جيل زد.. الأقل استعدادا للتبرع

البيانات الجديدة تحمل إنذارا مبكرا للسلطات الصحية: الفئة العمرية الأصغر (18-25 سنة) تبدي ترددا متزايدا في قبول فكرة التبرع. وتفسر مارين جانتي، المديرة العامة للوكالة، هذا التراجع بسيطرة “معلومات سامة” على خوارزميات التواصل الاجتماعي، التي تقدم محتوى تآمريا جاهزا للاستهلاك بدلا من الحقائق العلمية. في المقابل، ترفع الجمعيات الصحية صوتها عاليا. وتقول إيفاني كايي، رئيسة جمعية Renaloo للمرضى: “كل تأخير في زراعة كلى يعني خسارة أرواح يمكن إنقاذها. الأرقام الجديدة ليست مجرد إحصائيات، بل هي 966 عائلة فقدت ذويها في 2025، وكلهم كانوا ينتظرون فرصة”.

معركة “الخرافة” ضد “الحقيقة”

أمام هذا الواقع، تتحرك وزارة الصحة على خطين متوازيين: الأول، تعزيز حملات التوعية المدرسية والجامعية. والثاني، مواجهة “الانفوميديا” (Information epidemic) بمحتوى رصين يمكنه اختراق جمهور الشباب. وتؤكد الوزيرة ستيفاني ريست أن “نشر المعلومة الدقيقة والموثقة هو السلاح الأهم في معركة إنقاذ الأرواح”. غير أن السؤال الذي يظل مفتوحا: هل تستطيع المؤسسات الصحية الرسمية منافسة “إنستغرام” و”تيك توك” في معركة العقول؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة، بينما يظل 23 ألف مريض رهينة هذه المعادلة الصعبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *