ديها يا الغادي للبادي: الصودا دواء للسرطان؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

,سآخذك قارئي العزيز معي لتعيش «كوميديا طبية» لا شكسبيرية ولا تحايلية، بل روسية النكهة عبثية. هي فصل من رواية حيث تختلط الأساطير بالخرافات ويتلبس الواقع جنون الأحلام، يطل علينا دونالد ترامب هذه المرة ببدلة مستشار طبي، ليعلن للعالم أن الصودا تقتل الخلايا السرطانية. نعم، ذاك المشروب الغازي الذي يحذر الأطباء من مخاطره على مرضى السكري والقلب، يتحول فجأة في مخيال الرئيس الأمريكي إلى «قاتل صامت للأورام».

المشهد أشبه بلوحة لغروتسكي، أو حلم مهلوس لبولجاكوف: طبيب ساخر يوصي بالسم ترياقا، ومريض يتجرع الخرافة وكأنها إكسير الحياة. الدكتور محمد أوز، ذلك الرجل الذي باع الروح للتلفزيون قبل أن يبيعها للسياسة، ينقل إلينا بكل جدية أن ترامب «لاحظ» أن سكب الصودا على الستيك يذيب الدهون، فاستنتج بمنطقه السحري أنها تفعل نفس الشيء بالسرطان!

إنها ليست مجرد معلومة طبية خاطئة، بل مسرحية هزلية بامتياز، تذكرنا بزمن «ليسينكو» السوفياتي حين كان الحزب يقرر قوانين الوراثة، أو بوصفات الكرملين السحرية لعلاج الملاريا. الفارق أن ترامب لا يحتاج إلى أكاديمية علوم، فقط إلى قناة تلفزيونية وبودكاست لابنه. «تخيلوا معي مريضا بالسرطان، بدلا من العلاج الكيماوي، يتناول زجاجة فانتا يوميا، ويقرأ تغريدة رئاسية تطمئنه أن صودا الدايت ستطهر جسده». هذا هو الكابوس العبثي الذي نعيشه: طب بالفانتازيا، وعلم بلا منهج، وسياسي يرتدي ثوب أبوقراط ليصف لنا السمّ دواء

المجتمع الطبي يصرخ، لكن من يسمع؟ فانتازيا ترامب الصوداوية ليست مجرد كذبة، بل مرآة لعالم مقلوب: فيه الشراب القاتل معجزة، والعلاج الحقيقي مؤامرة، والعلم عدو، والجهل وطنية. نحن أمام رواية بطلها مهووس بالصودا  وأعداؤه الخبراء، تصلح لأن تكون فصلا جديدا في أدب العبث الروسي، لولا أن أبطالها الحقيقيين قد يدفعون الثمن بأرواحهم. يبقى السؤال الذي لا يطرحه ترامب: إذا كانت الصودا تقتل الخلايا السرطانية حقا، فلماذا لم يشربها كل مرضى العالم بدلا من العلاج الإشعاعي؟ ربما لأن المنطق، كما القهوة في موسكو، أصبح مشروبا ثوريا خطيرا لا يليق بمأوى الزعيم الجديد.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “ديها يا الغادي للبادي: الصودا دواء للسرطان؟

  1. ليست المشكلة في غرابة الفكرة، بل في الجرأة على تسويق الوهم حين يرتدي ثوب الحقيقة. حين يتحول الخطاب من علم إلى استعراض، يصبح الخطر مضاعفًا: لا لأن الصودا ستشفي، بل لأن الثقة بالعقل قد تُصاب بالمرض. في زمن تختلط فيه المنصات بالمنابر، لم يعد السؤال: ماذا قيل؟ بل من قاله… ولماذا صدقه البعض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *