قلم د.زكية لعروسي
في مشهد أشبه بلوحة سريالية جمعت واشنطن رؤساء ووزراء يقفون في الخلف، فيما تتصدر المشهد خمسة شخصيات أمريكية بينهم صهر الرئيس ومبعوث خاص، انطلقت في واشنطن أولى جلسات “مجلس السلام” الذي أعلنه دونالد ترامب. الكيان الجديد الذي يضم 47 دولة، يحمل في جعبته وعوداً بمليارات الدولارات لإعادة إعمار غزة، وإنذاراً مدته عشرة أيام لإيران، وطموحا لأن يكون “الرقيب” على الأمم المتحدة نفسها.
️
– طقس تنصيبي جديد: صورة تتحدى البروتوكول
قبل أن تنطلق الكلمات، تكلمت الصورة. فعلى منصة التصوير الجماعي، وقف خمسة أمريكيين في الوسط: ترامب، ونائبه جيه دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف، ثم جاريد كوشنر، صهر الرئيس . أما رؤساء الدول والحكومات، فوزعوا في الصفوف الخلفية كأنهم كومبارس في عمل سينمائي بطله واحد. هذا التكوين البصري، الذي وصفته وسائل إعلام أمريكية بأنه أقرب إلى “مسيرة سياسية” لترامب منه إلى قمة دولية، يحمل في طياته فلسفة الرئيس الجديد للعلاقات الدولية: نظام هرمي واضح، أمريكا في القلب، والباقون في الأطراف، حتى لو كانوا رؤساء دول. القبعات الحمراء التي وزعت على الحضور، والموسيقى الصاخبة التي تخللت الجلسات، جعلت الاجتماع الافتتاحي لمجلس السلام يبدو كما لو أنه امتداد طبيعي لتجمعات “لنجعل أمريكا عظيمة مجددا” .
-النادي الحصري: 47 دولة لكن دون “الكبار”
الأرقام تبدو مبهرة للوهلة الأولى: 47 دولة والاتحاد الأوروبي بصفة مراقب. لكن خريطة الحضور ترسم قصة أخرى. الغائبون هنا أكثر إيحاء من الحاضرين. بريطانيا وفرنسا وروسيا والصين، الأعضاء الدائمون في مجلس الأمن، اختاروا المقعد الخلفي، بعضهم أرسل مراقبين، وآخرون تغيبوا تماما . أما الحاضرون، فغالبيتهم من دول الخليج والعالم الإسلامي، مع بضع دول من أوروبا الشرقية وأمريكا اللاتينية. لافت حضور إندونيسيا بقوة، مع تعهدها بإرسال 8000 جندي في قوة الاستقرار الدولية . المغرب حاضر أيضا، وكوسوفو وألبانيا وكازاخستان. غياب أوروبي لافت باستثناء هنغاريا وبلغاريا. وغياب صارخ لأفريقيا جنوب الصحراء باستثناء المغرب ومصر . لكن اللافت الأكثر إثارة للجدل، هو ما كشفته مسودة النظام الأساسي للمجلس: عضوية دائمة مقابل 10 مليارات دولار تدفع خلال السنة الأولى . في هذه المعادلة، تصبح الدبلوماسية سلعة تُشترى، والقدرة على التأثير في القرار الدولي تخضع لمنطق السوق، لا لمنطق السيادة المتساوية بين الدول.
– غزة: ورشة إعمار أم مختبر تجريبي؟
المشروع الطموح يبدأ من غزة. فقد أعلن ترامب عن تعهدات تجاوزت 7 مليارات دولار لإعادة إعمار القطاع، مع 10 مليارات إضافية تقدمها الولايات المتحدة للمجلس نفسه . لكن السؤال الذي يطرحه المراقبون: كيف يعمر ما يهدم يوميا؟ فرغم سريان وقف إطلاق النار الهش منذ أشهر، لا تزال خروقاته تحدث يوميا. والخطة الأمريكية تقضي بانسحاب تدريجي للقوات الإسرائيلية التي تسيطر على نحو نصف القطاع، لتحل محلها “قوة دولية لتحقيق الاستقرار” قوامها يصل إلى 20 ألف جندي، بقيادة أمريكية ونائب إندونيسي . لكن العقبة الكأداء تبقى سلاح حماس. إذ يشترط ترامب “نزع السلاح الكامل والفوري” قبل البدء الفعلي بالإعمار. بينما تبدي الحركة ترددا في تسليم سلاحها خشية ردود فعل إسرائيلية، ما يضع المجلس أمام اختبار صعب: هل يمكن فرض السلام بالقوة؟ وهل يمكن نزع سلاح حركة تمتلك قدرات عسكرية دون حرب جديدة؟
– الظل الفارسي: إنذار العشرة أيام
في خضم نقاشات غزة، كان الملف الإيراني حاضرا كطيف يخيم على القاعة. ترامب لم يترك مجالاً للشك: “علينا أن نتوصل إلى صفقة ذات معنى، وإلا فستحدث أشياء سيئة” . ثم حدد المهلة: “العالم سيرى خلال الأيام العشرة القادمة ما إذا كنا سنتوصل لاتفاق مع إيران أم لا” . التصعيد العسكري الأمريكي في المنطقة بلغ مستويات غير مسبوقة، مع نشر حاملة طائرات ثانية وتعزيزات عسكرية ضخمة. في المقابل، يهدد المرشد الإيراني علي خامنئي بأن “السفينة الحربية خطر، لكن الأخطر منها هو السلاح القادر على إرسالها إلى قاع البحر” . على جبهة الكونغرس، يحاول النائبان الديمقراطي رو خانا والجمهوري توماس ماسي تمرير قرار يلزم الرئيس بالحصول على موافقة الكونغرس قبل شن أي هجوم على إيران، مستندين إلى قانون صلاحيات الحرب لعام 1973. لكن فرص نجاح القرار تبدو ضئيلة في ظل الغالبية الجمهورية المؤيدة لترامب .
️
– فلسطين: الغائب الأكبر
مفارقة لافتة: المجلس الذي يناقش مصير غزة يخلو من أي ممثل فلسطيني . غياب يعكس رؤية الإدارة الأمريكية الجديدة للصراع: حل يفرض من الخارج، لا ينتج من الداخل. إسرائيل حاضرة بقوة، ووزير خارجيتها جدعون ساعر جلس إلى جانب رئيس وزراء قطر. أما الفلسطينيون، فلم يدعوا حتى كمراقبين. هذا الغياب يثير علامات استفهام كبرى حول شرعية أي مخرجات. فكيف يبنى سلام في غزة بدون الغزيين؟ وكيف تدار المرحلة الانتقالية بدون تمثيل حقيقي للفلسطينيين؟
– الأمم المتحدة: بين التهميش والوصاية
لكن الطموح الأكبر لترامب يتجاوز غزة وإيران. ففي تصريحه الأكثر إثارة للجدل، قال الرئيس الأمريكي إن الأمم المتحدة “لديها إمكانات كبيرة لكنها لم تحققها أبداً”، مضيفاً أن المجلس الجديد سيعمل على “مراقبة المنظمة الدولية والتأكد من أنها تعمل بشكل صحيح” . هذه العبارات تترجمها دوائر دبلوماسية غربية على أنها إعلان نية لإنشاء “هيئة موازية” لمجلس الأمن، بل ووضع الأمم المتحدة تحت وصاية كيان جديد تملكه واشنطن. الصين وروسيا، عبر محللين مقربين منهما، وصفتا المجلس بأنه “نموذج أصيل لتمييز التعددية الحقيقية من الزائفة” .
– حفلة تنكرية: عندما تلتقي السياسة بالترفيه
ربما أكثر ما لفت الأنظار في هذا الحدث هو طابعه الاحتفالي. فبين الرؤساء والوزراء، جلس جياني إنفانتينو، رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، الذي سبق أن منح ترامب جائزة سلام خاصة . وفي لحظة مرتجلة، قال الرئيس الأمريكي مازحا: “عندما سمعت أن النرويج ستستضيف فعالية للمجلس، ظننت أنني سأحصل على جائزة نوبل أخيرا”. الرئيس الكازاخي قاسم جومار توكاييف اقترح إنشاء “جائزة الرئيس ترامب الخاصة للسلام”. ورئيس وزراء باكستان شهباز شريف وصف ترامب بأنه “منقذ جنوب آسيا” . في هذا المزيج العجائبي، يبدو المشهد السياسي الأكثر جدية في العالم وكأنه عرض ترفيهي شامل، أو كما وصفته إحدى الصحف: “مزيج فريد من السياسة الواقعية وهوليوود”.
– النموذج الجديد: ماذا يعني هذا كله؟
خلف الديكور البراق والوعود المالية الضخمة، يرسم مجلس السلام ملامح نظام عالمي جديد مختلف جذريا عما عرفناه بعد الحرب العالمية الثانية. نظام تقاس فيه مكانة الدول بقدرتها على دفع 10 مليارات دولار، وتصنع فيه القرارات المصيرية في غرف مغلقة برئاسة شخص واحد، وتفرض فيه “السلام” بقوات دولية لا يستشار فيها السكان المحليون. ترامب يقول إن المجلس سينجح حيث فشلت الأمم المتحدة. منتقدوه يقولون إنه يخلق منظمة على مقاسه، لتكريس هيمنة أمريكية بلا منازع، تحت غطاء التعددية الزائفة. بين هذا وذاك، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع 20 ألف جندي بقيادة أمريكية أن يصنعوا سلاما في غزة لم تستطع صنعه عقود من المفاوضات؟ وهل يمكن لإنذار عشرة أيام أن يحل أزمة نووية مع إيران عمرها عشرون عاما؟ الأيام المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة. لكن الواضح أن العالم دخل مرحلة جديدة من الهندسة الجيوسياسية، حيث تختلط الحدود بين السياسة والعرض، بين الدبلوماسية والتجارة، بين الأمم المتحدة وهوليوود
