بقلم د. زكية لعروسي
في التراث السياسي الإسلامي، لم يكن مفهوم “الملك” مرادفا للسلطة المجردة، بل كان بنية أخلاقية وقانونية تتقاطع فيها الشرعية مع الرعاية، والهيبة مع المسؤولية. وقد تبلور هذا التصور عبر قرون من التنظير، من كتب الأحكام السلطانية إلى مقدمات العمران، ليؤسس صورة مركبة لما يمكن تسميته بـ”الملك الراعي” – أي الحاكم الذي تقوم مشروعيته على الجمع بين الشرف السياسي والقيام بالمصلحة العامة.
– الشرف بين الأدب والسياسة
عند الماوردي في الأحكام السلطانية، تتأسس الإمامة على حفظ الدين وسياسة الدنيا به. فالسلطة ليست امتيازا شخصيا, بل وظيفة تنظيمية أخلاقية تحفظ الجماعة من الفوضى. ويشترط الماوردي في الإمام العدالة والكفاية والرأي المفضي إلى تدبير المصالح، وهو ما يجعل الشرف السياسي مقترنا بالفعل المؤسسي لا بالمقام المجرد. أما الجاحظ، فكان أكثر التفاتا إلى البعد الأخلاقي الثقافي للسلطة. ففي رسائله، تتكرر فكرة أن الشرف لا يورث إلا إذا ساندته المروءة، وأن الملك إذا خلا من الحلم والرفق تحوّل إلى تغلب لا إلى سيادة. عند الجاحظ، الهيبة الحقيقية تنبع من “تماسك الصورة الأخلاقية” للحاكم في أعين الناس. ويأتي ابن خلدون ليمنح المفهوم بعدا اجتماعيا تاريخيا. ففي المقدمة، يؤكد أن الملك لا يستقر إلا بعصبية جامعة، وأن الرعاية – بما تعنيه من عدل وتوزيع للمنفعة – شرط لاستمرار العمران. فإذا انقطعت الصلة بين الحاكم والرعية، ضعفت العصبية وتفككت الدولة. من هذا التراكم النظري تتشكل صورة “الملك الراعي”: حاكم يقوم على الحفظ، ويوازن بين القوة والشرعية، ويؤسس هيبته على انتظام المؤسسات واستجابة الدولة لحاجات المجتمع.
– من النظرية إلى الدولة الوطنية
مع نشوء الدولة الوطنية الحديثة، تحولت مفاهيم الإمامة والملك من أطرها الفقهية الكلاسيكية إلى أطر دستورية. لم تعد الشرعية تستمد فقط من النسب أو الغلبة، بل من النص الدستوري، ومن التعاقد الاجتماعي، ومن الاعتراف الدولي. في هذا السياق، برزت نماذج عربية سعت إلى المواءمة بين المرجعية التاريخية ومتطلبات الدولة الحديثة. ويعد المغرب حالة لافتة في هذا المسار، حيث تداخلت المرجعية الدينية التاريخية مع بنية مؤسساتية دستورية تطورت تدريجيا، خاصة منذ دستور 2011.
“الملك الراعي في شخص جلالة الملك محمد السادس” في التجربة المغربية المعاصرة في قراءة تحليلية لمسار المغرب خلال عهد محمد السادس، يمكن رصد عناصر تستدعي مفهوم “الملك الراعي” كما تبلور في التراث، وإن ضمن سياق مؤسساتي حديث.
– الرعاية الاجتماعية كوظيفة سياسية
أطلقت خلال العقدين الأخيرين برامج ذات طابع اجتماعي واسع، استهدفت تقليص الفوارق المجالية وتعزيز الحماية الاجتماعية. في ضوء التنظير الماوردي، يمكن فهم ذلك باعتباره تجسيدا لمبدأ “القيام بالمصالح”، حيث تتداخل المبادرة السياسية مع مسؤولية الدولة تجاه الفئات الهشة.
– الدبلوماسية بوصفها امتدادا للعمران
انفتاح المغرب على عمقه الإفريقي، وتكثيف حضوره الاقتصادي والديني في القارة، يعكس تصورا للدبلوماسية لا يقتصر على التمثيل، بل يتصل ببناء شبكات تعاون طويلة الأمد. وهنا يمكن استحضار مفهوم ابن خلدون للعمران بوصفه تراكما للعلاقات والمصالح المشتركة التي تعزز الاستقرار.
– التوازن بين المرجعية والحداثة
احتفاظ المؤسسة الملكية بوظيفتها الدينية الرمزية، بالتوازي مع تحديث البنية القانونية والاقتصادية، يمثل محاولة للجمع بين الشرعية التاريخية ومتطلبات الدولة الحديثة. وهو توازن دقيق، يتطلب – وفق المنطق الخلدوني – إدارة مستمرة للعصبية الوطنية الجامعة.
– الجالية والامتداد الرمزي
من زاوية سوسيولوجية، تشكل الجالية المغربية في الخارج امتدادا رمزيا للدولة. شعورها بالانتماء لا يرتبط فقط بالجغرافيا، بل بصورة الاستقرار والاعتراف الدولي التي يحملها الوطن الأم. حين تتعزز صورة الدولة كفاعل مستقر ومبادر، ينعكس ذلك على ثقة مواطنيها في الخارج وعلى تموضعهم داخل المجتمعات التي يقيمون فيها. في هذا الإطار، “الملك الراعي في شخص جلالة الملك محمد السادس” ليس فقط فاعلا داخليا، بل مرجعية رمزية لهوية عابرة للحدود، تستدعى في الخطاب الثقافي والاجتماعي للجاليات بوصفها علامة استمرارية.
– الشرف كمسار لا كلقب
إذا كان التراث قد علّمنا أن الشرف السياسي هو حصيلة عدل ورعاية واستقرار، فإن التجارب المعاصرة تظهر أن استدامته رهينة بقدرة الدولة على تجديد مؤسساتها والاستجابة لتحولات مجتمعها. بين تنظير الماوردي، وبلاغة الجاحظ، وتحليل ابن خلدون، تتشكل معالم مفهوم للملك يقوم على الرعاية والشرعية والقدرة على حفظ العمران. وفي الدولة الوطنية الحديثة، يبقى هذا المفهوم إطارا تفسيريا لفهم أدوار القيادة السياسية ضمن سياق دستوري ومؤسساتي متحول.
إن “الملك الراعي في شخص جلالة الملك محمد السادس” – في نهاية المطاف- ليس صورة شعرية، بل معادلة دقيقة بين الرمز والفعل، بين التاريخ والحاضر، وبين الشرف بوصفه قيمة أخلاقية، والسياسة بوصفها ممارسة يومية لإدارة المصالح العامة.
