بقلم حيمري البشير كوبنهاغن – الدنمارك
بصراحة، لم أعد أفهم بعض الخرجات الإعلامية الصادرة عن أقلام في بعض الدول العربية، والتي تستهدف شخص وزير الشؤون الخارجية المغربي، ناصر بوريطة. هذا الرجل الذي حين ينطق لا ينطق عن هوى، بل يتحدث بمنطق مدروس، وأسلوب رصين، وخطاب يُدرّس في فنون الدبلوماسية، ويحظى بتقدير واحترام رؤساء الدول، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
ابتسامة ناصر بوريطة وهو يخاطب الرئيس ترامب خلال جلسة التوقيع على اتفاقية مجلس السلام لوقف الحرب على غزة لم تكن مجرد صورة بروتوكولية عابرة، بل كانت تعبيرا عن ثقة متبادلة واحترام متبادل. حضور المغرب في تلك اللحظة المفصلية، في غياب بعض وزراء خارجية دول شرق أوسطية، لم يكن صدفة، بل دليلا على المكانة التي باتت تحتلها المملكة في معادلة صنع السلام.
إن حضور “الأسد الإفريقي”، ابن تاونات العامرة، إلى جانب الرئيس ترامب، يعكس التقدير الذي تكنّه الولايات المتحدة للمغرب، وللدور المتوازن الذي تضطلع به المملكة في ملفات معقدة، وعلى رأسها القضية الفلسطينية. فالمغرب، بقيادة جلالة الملك محمد السادس، لم يكن يوما بعيدا عن دعم الشعب الفلسطيني، سواء في القدس الشريف أو في غزة. من يشكك في ذلك، فليسأل أهل غزة والمقدسيين عن المستشفى الذي بناه المغرب بكل المواصفات، وعن الجسر الجوي المباشر الذي أمر به الملك لدعم المحاصرين في غزة، وكيف تصل المساعدات المغربية في أصعب الظروف. فهذه ليست شعارات، بل وقائع يشهد بها الميدان وأهل الأرض. لذلك، يصعب فهم هذه الحملة الإعلامية التي شنّتها بعض الأقلام، سواء من بعض الجيران أو حتى من مصر، بعد الحضور المغربي الوازن إلى جانب ترامب.
غاب وزراء خارجية بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن، وغاب وزراء خارجية دول عربية كبرى، لكن المغرب كان حاضرا، لأن الحضور لا يُقاس بالحجم الجغرافي، بل بالوزن السياسي والمصداقية والثقة الدولية. المغرب لم يختر لصنع السلام في الشرق الأوسط لأنه قوة عظمى، بل لأنه يحظى بثقة أطراف الصراع، ولأن دبلوماسيته، بتوجيهات ملكية، عرفت بالحكمة والاتزان والقدرة على مدّ الجسور لا إشعال الحرائق.
هذا هو سرّ الحضور المغربي، وهذا هو مصدر الانزعاج لدى البعض. على من يغيظهم حضور المغرب أن يدركوا أن المملكة لها تاريخ مجيد، وأن الدبلوماسية المغربية ليست وليدة اللحظة، بل تراكم تجربة ومصداقية. وهي اليوم تساهم في دعم المقدسيين، وحماية المسجد الأقصى، والسعي إلى حل الدولتين، وإلى وقف التجويع والقتل في غزة، والمشاركة في إعادة البناء وإحياء الأمل. إنه المغرب، في شخص ناصر بوريطة، بابتسامته الهادئة، وحضوره الواثق، وتطبيق الدبلوماسية الملكية الرصينة، يرسّخ موقع بلاده بين الكبار، لا بالصوت العالي، بل بالفعل المتزن والاحترام المتبادل.
