بقلم د. زكية لعروسي
على رقعة الشطرنج الملتهبة في الشرق الأوسط، يرتسم ظل مروّع. ظلّ النسر الأمريكي، وقد مدّ مخالبه، محلقا فوق المياه العكرة لمضيق هرمز. في نهاية فبراير 2026، يسعى دونالد ترامب، بوصفه كائنا أسطوريا لا يمكن التكهّن بخطواته، إلى درء النحس وفي الوقت نفسه شحذ سكاكينه. إنه بيد يمد غصن زيتون دبلوماسي عبر وسائط إعلامية وسيطة، وباليد الأخرى يحشد حاملتي طائرات عملاقتين، وكأنهما قبضتان جاهزتان للضرب على خاصرة الجمهورية الإسلامية الضعيفة.
ما يدور على المسرح أشبه بمأساة إغريقية قديمة، حيث تهمس جوقة الإعلام، وعلى رأسها صحيفة واشنطن بوست، بنذير شؤم: خلاف في أروقة هيئة الأركان، وتحذيرات من الجنرال دان كين من مخاطر الانجراف في المستنقع. لكن ساكن البيت الأبيض، بصفته سيد الرقصة المطلقة، يسرع إلى نفي هذه الشائعات على منصته “تروث سوشيال”، كما لو كان ساحرا يخرج أرنبا من قبعته. كلا، فالجنرال كين ليس نذير شؤم؛ إنه، كما يقول ترامب، “مقاتل عظيم” لا يعرف سوى شيء واحد: “الانتصار”. الرئيس، في تناقض صارخ، يؤكد لنا أن قائده الأعلى يفضّل السلام، لكن الحرب ضد الكيان الفارسي ستكون “سهلة الكسب”. سهولة تتناقض بشدة مع التحذيرات التي تهمس بها أروقة البنتاغون حول نقص الذخيرة وضعف حماية الحلفاء في المنطقة [المصدر الأصلي].
لكن خلف مسرح الظلال بين رئيس وجنراله، هناك آلية أكثر رعبا بدأت تدور. أمّا الأخطبوط الإيراني الجريح، الذي لم يفصل رأسه بعد بضربات صيف 2025 ضد برنامجه النووي، فيسعى الآن إلى الانسلاخ. نظام آيات الله، الذي أصبح في الزاوية، يراهن على بقائه على رقعة شطرنج عالمية. طهران، التي كان يُظنّ أنها معزولة، تنسج خيوط شبكتها ببراعة عنكبوتية. العلامات لا تخيب. فبينما تحرث طائرات F-35 الأمريكية السماء، تبحر سفن حربية روسية وصينية إلى جانب السفن الإيرانية في خليج عمان، وكأنها حلقات أخطبوط سام واحد يحاول الإطباق على عالم أحادي القطب يلفظ أنفاسه الأخيرة. الصين، الممر الأكبر للنفط الإيراني، وروسيا، التي تلملم جراحها الأوكرانية، تبدوان وكأنهما تنفخان في نار الفتنة. بل إن موسكو، حسب وثائق مسرّبة، عقدت اتفاقا سريا مع طهران لتزويدها بصواريخ أرض-جو من نوع “فيربا”، وهي محاقن قادرة على تطعيم سماء إيران ضد لسعات نحل العم سام. محور الرفض يعيد تشكيل نفسه في ظل القاذفات.
أمام هذه العقدة الغوردية، يقف الأوروبيون، “تلك القارات العجوز” المتعبة، متجمدين وكأنهم تماثيل ملح تشهد نهاية عالم معلن. كما يحلل بدقة توماس غومار من المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، هم “على خط الجبهة لكن مهمشون”. محشورون بين الانسحاب الأمريكي في أوكرانيا والضربات الإسرائيلية على إيران، بين التهديد الروسي في الشرق والابتزاز بالهجرة في الجنوب، تتلعثم “العجوز”. مجموعة “الترويكا” الأوربية (فرنسا، ألمانيا، بريطانيا)، ورثة التعدّدية على الطريقة الفرنسية، تحاول إنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن صوتها يعلوه هدير المحركات النفاثة.
أليس الخطر الحقيقي، في هذه الرقصة المترددة، هو أن “الضربة المحدودة” التي يفكر فيها ترامب قد توقظ الوحش دون أن تقتله؟ لقد حذّرت إيران على لسان متحدثها: أي عدوان، مهما كان محدوداً، سيعتبر “عملا عدوانيا” بحد ذاته، والنار قد تشتعل سريعا لتلتهم المنطقة بأسرها. التاريخ يعيد نفسه. تظن أنك تضرب خيمة، فتوقظ بركانا. تظن أنك تطيح بنظام، فتفتح صندوق باندورا على فوضى أسوأ بكثير. وهكذا، في 24 فبراير 2026، يحبس العالم أنفاسه. بين مطرقة ترامب التي تريد “الانتصار” وسندان إيران الذي يرفض “الاستسلام”- لاستخدام كلمة المبعوث ويتكوف غير الموفقة – فإن آلية النظام العالمي الهشة بأكملها تصرّ على صريرها. في هذا السوق الكبير للصراع الجيوستراتيجي، هناك شيء واحد مؤكد: النرد يدور على سجادة .فارسية، ونقطة الانهيار أصبحت وشيكة. لم يبق سوى خيط رفيع، أو صاروخ، أو كلمة زائدة. أو رمية نرد من دونالد ترامب
