مفاوضات فلوريد و الصحراء المغربية؟

بقلم د. زكية لعروسي

في لحظة دولية تتسم بإعادة ترتيب الأولويات وتبدّل خرائط النفوذ، تتسرّب من كواليس ولاية فلوريدا معطيات عن حراك تفاوضي مكثّف، برعاية أمريكية ومواكبة أممية، لإنتاج “اتفاق إطار” حول الصحراء المغربية. تسريبات تغري بالتحليل بقدر ما تستدعي الحذر؛ إذ لا تقاس قيمة المبادرات بوهج الإعلان عنها، بل بقدرتها على الصمود أمام اختبار الشرعية، والواقعية، ومصالح المغرب العليا. تقوم الفكرة المسرّبة على تبنّي مقاربة “الواقعية السياسية” لكسر جمود طال أمده في أروقة الأمم المتحدة، واستلهام صيغة مطوّرة من “مخطط بيكر”. غير أنّ أيّ قراءة مغربية رشيدة لا يمكن أن تتجاوز الثابت الدستوري والسيادي: الصحراء جزء لا يتجزأ من التراب الوطني، والسيادة المغربية ليست موضوع تفاوض، بل إطارا لأيّ حل. هنا يبرز السؤال المركزي: هل يصاغ “الاتفاق الإطار” باعتباره آلية لتثبيت السيادة عبر توسيع الحكم الذاتي، أم كمنطقة رمادية تفتح فيها ثغرات تأويلية تربك البناء المؤسسي مستقبلا؟ إنّ التجارب المقارنة تظهر أنّ الغموض البنّاء قد يكون أداة للتقريب، لكنه إن تجاوز حدّه انقلب إلى عبء دستوري.

من بين البنود المتداولة: قصر بعض المهام السيادية في الهيكل الحكومي المستقبلي على أبناء القبائل المسجلين في الإحصاء الإسباني، واستثناء غير المقيمين تاريخيا من حق التصويت، مع اعتماد سنة مرجعية لحسم القوائم. هذه الصياغات تقدَّم باعتبارها ضمانا لتمثيلية “أصيلة”. لكنّها تطرح أسئلة عميقة: كيف نوفّق بين العدالة التاريخية ومبدأ المواطنة الدستورية الجامعة؟ أليس بناء مغرب الجهات المتقدمة قائم على توسيع المشاركة لا تضييقها؟ ثم ما أثر هذه القيود على الاندماج الاجتماعي والاقتصادي الذي تحقق خلال عقود من الاستثمار العمومي المكثف في الأقاليم الجنوبية؟

الرهان المغربي كان دوما هو تحويل الصحراء إلى نموذج تنموي، لا إلى مختبر لتجارب ديموغرافية حسّاسة. وأيّ هندسة انتخابية ينبغي أن تقاس بميزان الوحدة الوطنية أولا. تشير التسريبات إلى احتفاظ جلالة الملك بحقّ التنصيب النهائي لرئيس الإقليم، مع توصيف سيادي في الوثائق الرسمية. إنّ هذا المعطى-إن صحّ- يؤكّد مركزية المؤسسة الملكية كضامن لوحدة الدولة واستمراريتها. غير أنّ الأهم هو وضوح الهرمية الدستورية: الحكم الذاتي- كما اقترحه المغرب رسميا سنة 2007- يمارس تحت السيادة المغربية وفي إطار الدولة الموحدة. فهل يعزّز “الاتفاق الإطار” هذا المنظور، أم يضيف طبقات من التعقيد الإجرائي قد تُبطئ الفعالية المؤسسية؟

تضمين آلية “الثلث المعطّل” لأيّ كتلة منتخبة يهدف -نظريا- إلى ضمان التوازن ومنع التغوّل. غير أنّ التجارب البرلمانية تحذّر من تحويل أدوات الضبط إلى أدوات تعطيل دائم. فهل نؤسس لتشاركية راشدة، أم لفيتو مقنّن يهدّد الاستقرار التنفيذي؟ إنّ الاستقرار ليس ترفا في منطقة تعرف رهانات أمنية وجيوسياسية معقّدة. الحديث عن ضمّ طرفاية إلى الإقليم بدعوى الامتداد القبلي يفتح نقاشا حول فلسفة الجهوية المتقدمة بالمغرب. الجغرافيا الإدارية ليست مجرّد إسقاطات اجتماعية؛ إنها أيضا نتاج اعتبارات تنموية، لوجستية، واستراتيجية. فهل يسهم هذا التعديل في تعزيز الفعالية الترابية، أم يضيف طبقة جديدة من الحساسية السياسية؟

تقترح التسريبات فترة انتقالية لخمس سنوات تحت سيادة مغربية، مع استبعاد خياري الاستقلال والاندماج الكلي، وصولا إلى مصادقة شعبية بإشراف دولي وسحب الملف من اللجنة الرابعة. هنا تتكاثف الأسئلة الذكية: ما هي الضمانات القانونية التي تمنع إعادة تدوير النزاع بعد الاستفتاء؟ كيف يصاغ السؤال المطروح على الناخبين بما يحفظ الثوابت ويضمن الوضوح؟ وهل ينسجم الإشراف الدولي مع سيادة دولة راسخة المؤسسات، أم يختزل في مواكبة تقنية محدودة؟

الوطنية ليست خطابا انفعاليا، بل رؤية تحسن الجمع بين الثوابت والمرونة. المغرب قدّم مبادرة الحكم الذاتي باعتبارها أقصى ما يمكن تقديمه في إطار السيادة. وأيّ “اتفاق إطار” لا ينبغي أن يقرأ إلا من هذا السقف. إنّ الرهان الحقيقي ليس في هندسة نصّ تفاوضي، بل في ترسيخ قناعة دولية بأنّ الحل الواقعي هو الذي يضمن كرامة السكان، ويصون وحدة الدولة، ويغلق باب التوظيف الإقليمي للنزاع. قد تكون فلوريدا مجرّد محطة في مسار طويل، وقد تتحوّل إلى لحظة انعطاف. لكنّ الثابت أنّ المغرب – بمؤسساته وشرعيته التاريخية والتنموية – هو صاحب الكلمة الفصل في ما يمسّ صحراءه. فهل نحن أمام تسوية تكرّس الواقعية في إطار السيادة، أم أمام صيغة تحتاج إلى مزيد من التمحيص حتى لا يتحوّل “الإطار” إلى قيد؟ الجواب لن .يصنعه التسريب، بل تصنعه الإرادة الوطنية حين تحسن التقدير وتختار بثقة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *