إنهاء مهمة رمضان لعمامرة الجزائري في السودان

بقلم د. زكية لعروسي

في السياسة لا تقال كلمة “إقالة” صراحة. تستبدل بعبارات مهذبة من قبيل: “انتهاء المهمة” أو “إعادة توزيع الأدوار”. لكن خلف اللغة البروتوكولية تختبئ حقيقة أكثر صلابة: مهمة رمضان لعمامرة في السودان لم تنتج ما كان ينتظر منها، فتم الانتقال إلى إسم آخر. السؤال ليس شخصيا، بل استراتيجيا: ماذا يقول هذا التطور عن موقع الجزائر الدبلوماسي اليوم؟

الملف السوداني ليس مجرد نزاع داخلي؛ إنه ساحة تقاطع بين عواصم عربية وإفريقية وغربية. من ينجح فيه يكرّس صورة “الوسيط الثقيل”، ومن يتعثر تتراجع هيبته التفاوضية…. إنه الامتحان الذي لا يرحم . الجزائر دخلت المشهد من بوابة خبرتها الإفريقية وشعارها التقليدي: الحلول السياسية ورفض التدخلات العسكرية. غير أن السودان تحوّل إلى حرب مراكز قوى، حيث السلاح أسرع من البيانات، والولاءات أكثر تعقيدا من خرائط وزارة الخارجية. في مثل هذا السياق، تصبح الوساطة اختبار قوة حقيقية، لا مجرد تمرين بلاغي. لطالما قدّمت الجزائر نفسها كدولة تمارس “دبلوماسية صلبة”: لا تتراجع  بسهولة، لا تنخرط في محاور، وتحافظ على استقلال قرارها. هذه المدرسة نجحت في مراحل تاريخية معينة، خصوصا حين كانت البيئة الإقليمية أكثر وضوحا في معسكراتها. لكن البيئة تغيّرت. اليوم، النفوذ لا يقاس فقط بالمواقف المبدئية، بل بالقدرة على بناء تحالفات مرنة، وتأمين دعم مالي وسياسي مستدام، وتوظيف أدوات ضغط ناعمة وخشنة في آن واحد. في السودان، بدا أن الجزائر دخلت المعركة بأدوات تقليدية في زمن غير تقليدي. فهل هو فشل شخص أم حدود دور؟

رمضان لعمامرة ليس دبلوماسيا مبتدئا. تاريخه في الاتحاد الإفريقي والأمم المتحدة معروف. لذلك من السهل الوقوع في تبسيط مريح: تحميل الرجل مسؤولية التعثر. لكن التحليل الأعمق يشير إلى مسألة أوسع: هل كانت لدى الجزائر القدرة الفعلية على التأثير في الأطراف السودانية؟ الوساطة تحتاج إلى ثلاثة عناصر: قبول محلي، دعم إقليمي، وإسناد دولي واضح. إذا اختلّ أحدها، تصبح المهمة أقرب إلى إدارة أزمة بلا أدوات حقيقية. المؤشرات توحي بأن الغطاء الدولي لم يكن بالحجم الكافي، وأن مراكز الثقل الإقليمي كانت تتحرك وفق حساباتها الخاصة. في هذه الحالة، يتحول المبعوث – مهما كانت خبرته – إلى شاهد أكثر منه صانعا للحدث.

الجزائر تطمح إلى لعب دور إقليمي أكبر، خصوصا في الساحل وإفريقيا. لكن الطموح يحتاج إلى شبكة نفوذ اقتصادية وأمنية متكاملة. السياسة الخارجية ليست فقط خطابات سيادية، بل استثمارات، تحالفات، وقدرة على التأثير في مسارات التمويل وإعادة الإعمار. إنهاء مهمة لعمامرة يبعث برسالة غير مريحة: النفوذ الجزائري في الملف السوداني لم يكن بالحجم الذي يوازي طموحاته. وهذا يفتح باب الأسئلة حول فعالية المقاربة الحالية. المنطقة اليوم ساحة سباق دبلوماسي حقيقي. عواصم تتحرك بسرعة، تعرض مبادرات، تستضيف مؤتمرات، وتستخدم أدوات اقتصادية مباشرة للتأثير. في هذا المناخ، الحياد الصارم قد يتحول إلى عزلة غير مقصودة. الوسيط الناجح ليس فقط من يملك التاريخ، بل من يملك القدرة على فرض جدول أعماله. والسودان أظهر أن النفوذ يقاس بمدى استعداد الأطراف للجلوس فعليا إلى طاولة تشرف عليها. الصورة اليوم تبدو قاتمة من زاوية الجزائر: مهمة انتهت بلا اختراق واضح، وملف انتقل إلى دبلوماسي أوروبي بخلفية مختلفة. لكن “السوداوية” ليست قدرا. في السياسة، الإخفاق أحيانا فرصة لإعادة ضبط البوصلة. هل تراجع الجزائر أدواتها؟ هل تعيد تعريف مفهوم “الدبلوماسية الصلبة” ليصبح أكثر مرونة؟ أم تستمر في الرهان على الأسلوب ذاته؟

ما حدث ليس مجرد تبديل إسم في وثيقة أممية. إنه مؤشر على حدود الدور، وعلى تحولات موازين النفوذ في الإقليم. السودان كان اختبارا، والنتيجة لم تكن في صالح الجزائر هذه المرة. غير أن السياسة لا تعرف الهزائم النهائية. تعرف فقط من يتعلم بسرعة… ومن يكتفي بترديد خطاب الصلابة بينما الأرض تتحرك من تحته. والسؤال الذي سيبقى مطروحا في صمت: هل كانت المشكلة في الوسيط… أم في وزن الدولة التي تقف خلفه؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *