ترامب…الرئيس الذي تمشي خلفه الرصاصات

بقلم د. زكية لعروسي

ليس دونالد ترامب رئيسا يعبر الزمن بهدوء، بل زمن يعبر الرئاسة على هيئة رجل. هو ظاهرة تمشي على قدمين، إعصار يرتدي بدلة داكنة وربطة عنق حمراء، ويقتحم التاريخ من نوافذه المكسورة لا من أبوابه الرسمية. كلما ظن العالم أن عاصفته هدأت، اكتشف انها غيرت اتجاهها فقط، وان الريح ما زالت تدور في صدره. في السجل الدموي للسياسة الاميركية سقط رؤساء برصاص الكراهية، من أراهام لينكولن إلى جون كينيدي، ونجا آخرون من محاولات قاتلة كأنهم عبروا ممرا ضيقا بين الحياة والعدم. لكن ترامب يضيف فصلا مختلفا إلى هذه الحكاية الثقيلة. لم يكن فقط اسما في قائمة التهديدات، بل صار العنوان الأكثر تكرارا في دفتر الاستهداف. خلال حملاته الانتخابية وأثناء وجوده في السلطة، توالت المحاولات والمشاريع والاختراقات المسلحة كما لو أن الرئاسة حوله تحولت إلى مغناطيس يجذب الرصاص.

أن يكون الرئيس الأكثر تعرضا لمحاولات الاغتيال ليس مجرد رقم في إحصاء سياسي، بل علامة على طبيعة اللحظة التاريخية التي يجسدها. هو لا يقف في قلب العاصفة صدفة، بل لأنه يتغذى على الريح. كل تهديد يتحول في خطابه إلى شهادة تأثير، وكل محاولة اعتداء تصبح دليلا على أنه ليس رئيسا عاديا بل محور صراع. كأن الخطر ظل ضروري لصورته، وكأن الرصاصة التي لم تصبه تزيده حضورا في المخيلة. ترامب لا يتحدث عن الاستهداف كحادث أمني عابر، بل كسردية قدرية. حين يلمح إلى أن كثيرين يلاحقونه، فهو يعيد رسم نفسه في هيئة الرئيس المحاصر لان كلمته تهز، ولأن قراراته تزعج، ولأن وجوده نفسه استفزاز دائم. في هذه الرواية يصبح الخطر وساما، وتتحول النجاة إلى أسطورة شخصية. الرئاسة عنده ليست مؤسسة صامتة بل دراما مفتوحة، وكل دراما تحتاج إلى تهديد كي تكتمل فصولها.

لغت ترامب لا تمشي على سكة مستقيمة، بل تقفز فوق المعاني كما يقفز لاعب بهلوان  فوق النار. هو لا يخاطب العقل البارد بل الغريزة الساخنة. يضغط على خوف الجماعة وحنينها وغضبها، فيستخرج من باطنها صوتا عاليا يقول إن العالم انحرف عن مساره وأن العودة إلى العظمة تحتاج إلى قبضة لا ترتجف. في هذا المناخ يصبح العنف السياسي انعكاسا لحدة الانقسام، وتصبح محاولات الاغتيال أعراض المرض أعمق في الجسد الديمقراطي. ليس غريبا ان يكون الأكثر استهدافا في زمن هو الأكثر استقطابا. فكلما ارتفعت حدة الخطاب، ضاق المجال الرمادي بين الخصوم. وكلما تحولت السياسة إلى حلبة صراع رمزي، اقترب بعض الهامشيين من تحويل الرمز إلى هدف مادي. ترامب لم يصنع وحده هذا المناخ، لكنه أتقن الرقص في قلبه. يعرف كيف يحول التهديد إلى مادة خطابية، وكيف يجعل من الخطر مسرحا إضافيا لصورته. هو لا يدير الاستقرار بل يدير القلق. يبقى الجميع في حالة ترقب دائم، كما لو أن العالم غرفة انتظار طويلة. التوتر عنده ليس خللا بل وقود. ومن يعيش على هذا الوقود لا يستغرب ان تتطاير حوله الشرارات. في زمن الصورة السريعة والخبر العاجل، تتحول كل محاولة اغتيال إلى فصل جديد في مسلسل الحضور. اسوأ ما يمكن ان يحدث له ليس الرصاصة، بل ان يغيب اسمه عن العناوين.

ورغم كل الصخب، يبقى السؤال أعمق من شخصه. ماذا يقول تكرار استهدافه عن مجتمع منقسم إلى هذا الحد؟ ماذا يعني أن يصبح الرئيس الأكثر تعرضا لمحاولات الاغتيال انعكاسا لمرحلة كاملة؟ ربما لا يكون الأمر مجرد قدر فردي، بل مرآة لزمن فقد توازنه، زمن تتصارع فيه الهويات والروايات والحقائق حتى تلامس حافة العنف. ترامب في النهاية ليس فقط رجلا نجا من محاولات عدة، بل صورة مكبرة لعالم يمشي على حافة السكين. كل محاولة اغتيال تحوم حوله مثل طائر أسود، لكنها في الوقت نفسه تكشف هشاشة المشهد كله. هو الإعصار، نعم، لكن الاعصار لا يولد من فراغ. أنه يحتاج إلى حرارة كامنة في البحر. وحين .ننظر إلى هذا الرئيس الأكثر استهدافا، لا نرى رجلا يهرب من الرصاص فحسب، بل نرى عصرا كاملا يطارد نفسه

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *