العيون والمينورسو: اللعبة الكبرى

بقلم د. زكية لعروسي

في عالم يتغير على وقع الحروب المفتوحة وإعادة رسم خرائط النفوذ، لم يعد ممكنا النظر الى قضية الصحراء المغربية باعتبارها نزاعا تقنيا تديره لجان اممية وتمدد له قرارات سنوية. ما يجري اليوم هو اعادة تموضع استراتيجي شامل، تتقاطع فيه حسابات القوى الكبرى مع صلابة الدولة المغربية التي اختارت منذ عقود ان تحسم معركتها بمنطق الشرعية والسيادة والتنمية، لا بمنطق الشعارات والانتظار. الصحراء ليست هامشا جغرافيا على أطراف الخريطة، بل هي قلب المعادلة الاطلسية الجديدة. من يقرأ التحولات في غرب إفريقيا والساحل يدرك أن المجال الممتد من طنجة الى الكويرة لم يعد مجرد فضاء وطني مغربي، بل صار عقدة وصل بين أوروبا وإفريقيا، وبين الأطلسي وعمق الساحل. في هذا السياق، يصبح الدفاع عن الصحراء دفاعا عن توازن إقليمي، وعن استقرار محور استراتيجي لا يحتمل الفراغ. إن أي مراجعة لدور بعثة United Nations Mission for the Referendum in Western Sahara يجب أن تقرأ في ضوء هذا التحول. فالبعثة التي أنشئت في سياق دولي مختلف كانت تستند الى فرضيات لم تعد قائمة بالمعنى العملي. الواقع الديمغرافي، والتحولات السياسية، والانخراط الواسع لساكنة الأقاليم الجنوبية في المؤسسات الوطنية، كلها عناصر جعلت من منطق الاستفتاء إطارا نظريا متجاوزا أمام تعقيدات التنفيذ وضرورات الاستقرار.

المغرب، بخلاف خصومه، لم يراهن على الجمود. اطلق نموذجا تنمويا خاصا بالأقاليم الجنوبية، واستثمر في البنية التحتية والموانئ والطاقات المتجددة، وربط الصحراء بشبكات الطرق والاقتصاد الوطني والإفريقي. هذا التراكم لم يكن استعراضا سياسيا، بل بناء تدريجيا لسيادة فعلية على الارض. السيادة في العصر الحديث لا تقاس فقط بالحدود، بل بقدرة الدولة على توفير الامن والخدمات والتمثيل السياسي لمواطنيها. في هذا المعيار، حسم المغرب معركته بهدوء وثقة. داخل أروقة United Nations Security Council يتزايد الوعي بأن ادارة النزاعات المزمنة لم تعد خيارا مريحا. العالم يواجه تحديات كبرى، من اوكرانيا الى الشرق الاوسط، ومن المحيطين الهندي والهادئ إلى الساحل الإفريقي. في هذا السياق، لا تبدو الصحراء ملفا قابلا للبقاء في حالة تعليق دائم. الواقعية السياسية تميل إلى الحلول الممكنة، لا إلى الأحلام المؤجلة. ومبادرة الحكم الذاتي التي طرحها المغرب قبل سنوات لم تعد مجرد مقترح وطني، بل صارت مرجعية دولية توصف بالجدية وذات المصداقية.

البعد الجيوسياسي الأهم يتمثل في ان الصحراء المغربية تشكل ركيزة لاستقرار غرب إفريقيا. اي فراغ او غموض سيادي في هذا الفضاء سيفتح الباب أمام شبكات تهريب، وتنظيمات عابرة للحدود، وصراعات وكالة لا يحتاجها أحد. المغرب، بما راكمه من خبرة امنية ودبلوماسية، يقدم نفسه شريكا موثوقا في محاربة التطرف وتعزيز الاستقرار. الدفاع عن الصحراء هنا ليس فقط دفاعا عن وحدة ترابية، بل مساهمة في امن اقليمي اوسع. الخطاب الوطني في المغرب حول الصحراء لا يقوم على انكار التعدد او تجاهل التعقيد، بل على استيعابه ضمن اطار الدولة الواحدة. الجهوية المتقدمة، وتوسيع صلاحيات المنتخبين المحليين، وإدماج النخب الصحراوية في مراكز القرار، كلها مؤشرات على أن الرباط لا تدير إقليما بعقلية مركزية جامدة، بل تبني نموذجا تدريجيا يوازن بين الخصوصية والوحدة. الذين راهنوا على استنزاف الزمن أخطأوا قراءة التاريخ. الزمن في السياسة لا يعمل لصالح من ينتظر، بل لصالح من يبني. والمغرب بنى: بنى طرقا وموانئ، بنى مؤسسات وتمثيلا، وبنى شبكة دعم دولية متنامية عبر افريقيا واوروبا والامريكتين. ومع كل تحول دولي، يتعزز موقعه باعتباره فاعلا مستقرا في منطقة تعج بالاضطرابات.

الصحراء المغربية اليوم ليست ملفا دفاعيا فقط، بل ورقة قوة استراتيجية. هي بوابة نحو إفريقيا، وعمق أطلسي، ومجال استثماري واعد. من هذا المنظور، يصبح الدفاع عنها دفاعا عن مصالح المغرب العليا وعن رؤيته لمستقبله كقوة إقليمية وازنة. وفي زمن يعاد فيه رسم الخرائط، لا مكان للدول المترددة. هناك فقط دول تعرف ما تريد، وتدافع عنه بثبات. المغرب اختار طريق الوضوح: الصحراء جزء من سيادته، والحل سياسي في إطار هذه السيادة. كل ما عدا ذلك هو دوران في حلقة مفرغة. وفي عالم تحكمه الواقعية القاسية، تنتصر في النهاية الدول التي تجمع بين الشرعية التاريخية والقدرة على الفعل. في هذا الامتحان .الطويل، يبدو أن منطق الدولة المغربية هو الذي يراكم النقاط، بهدوء، ولكن بثبات لا يلين

One thought on “العيون والمينورسو: اللعبة الكبرى

  1. Excellente esquisse de ce que le royaume à concrétiser dans ses provinces du Sud. Un modèle de développement durable à faire envier d’innombrables jaloux car c’est un développement qui s’intègre dans le cadre de la régionalisation avancée. Le plan d’autonomie renforcera ce cadre idyllique et je gage que la région ne saurait contenir l’afflux des populations qui voudront s’y installer y compris moi même.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *