الانتخابات البرلمانية في الدنمارك

El Bachir Haymari

بقلم الإعلامي حيمري البشير،، كوبنهاكن-الدنمارك 

في الرابع والعشرين من مارس، تتجه أنظار الدنماركيين إلى صناديق الاقتراع في انتخابات برلمانية تأتي في سياق سياسي أوروبي متوتر، تتصاعد فيه خطابات الهوية والهجرة والانتماء. وفي قلب هذا المشهد يقف المسلمون في الدنمارك أمام لحظة مفصلية: لحظة اختبار، لكنها أيضا لحظة فرصة تاريخية لإثبات الذات وترسيخ الحضور الإيجابي داخل المجتمع. ليست هذه الانتخابات مجرد تنافس حزبي عادي، بل تجري في ظل نقاش حاد حول سياسات أكثر صرامة تجاه المهاجرين، قد تصل إلى إجراءات قاسية مثل التشديد القانوني والترحيل. وفي هذا السياق، يتحول الإسلام والمسلمون في كثير من الأحيان إلى محور سجال سياسي يتجاوز الوقائع، ويختزل قضايا اجتماعية معقدة في بعدها الديني أو الثقافي. وهذا اختزال ظالم لا يخدم قيم العدالة ولا يعكس حقيقة التنوع داخل الجاليات المسلمة.

إن ما يجري في الدنمارك ليس معزولا عما يحدث في بقية أوروبا. فصعود التيارات الشعبوية واليمينية المتطرفة في عدد من الدول الأوروبية يعكس تحولات عميقة مرتبطة بالخوف من فقدان الهوية، والقلق الاجتماعي والاقتصادي. غير أن الرد على هذا المناخ لا يكون الانكفاء أو العزوف عن المشاركة، بل بالانخراط الواعي والمسؤول في المسار الديمقراطي. المسلمون الذين اختاروا العيش في الدنمارك طوعا، أو وجدوا فيها ملاذا من ويلات الحروب والصراعات، مدعوون اليوم إلى ترجمة انتمائهم العملي لهذا الوطن عبر مشاركة انتخابية واسعة وفاعلة. فالمواطنة ليست مجرد إقامة قانونية، بل هي التزام أخلاقي ومشاركة مدنية، ودفاع عن القيم المشتركة التي يقوم عليها المجتمع الدنماركي: الديمقراطية، سيادة القانون، الحرية، والمساواة.

إن مواجهة الصور النمطية لا تكون بالشعارات، بل بالفعل. والمشاركة المكثفة  في الانتخابات البرلمانية تمثل أرقى أشكال هذا الفعل. إنها رسالة واضحة بأن الجالية المسلمة ليست هامشا في المجتمع، بل جزءا حيا من نسيجه، حريصة على استقرار ومستقبل أجياله. كما أن على المساجد والمؤسسات والجمعيات الإسلامية دورًا توعويًا أساسيًا، يتمثل في تشجيع المشاركة المدنية، وتعزيز ثقافة المواطنة، وتربية الجيل الجديد على فهم عميق لمعنى الديمقراطية بوصفها عقدًا اجتماعيا يضمن الحقوق ويحمّل في الوقت نفسه مسؤوليات.

إن من أخطر ما قد يواجه مسلمي أوروبا عموما ليس فقط الخطاب المتطرف من الخارج، بل أيضًا الانعزال الداخلي أو الشعور باللاجدوى. فالعزوف عن المشاركة يترك المجال فارغًا أمام من يسعون إلى سنّ قوانين تضيق الخناق على الحريات وتستهدف فئات بعينها. أما الحضور القوي في صناديق الاقتراع، فيقطع الطريق على محاولات الإقصاء، ويعيد التوازن إلى النقاش العام. اختيار الحزب أو المرشح الذي يؤمن بالاندماج الإيجابي، ويحترم التعددية، ويدافع عن سياسات عادلة تجاه المهاجرين، هو حق ديمقراطي وواجب أخلاقي في آن واحد. فبالمشاركة الواعية يمكن التأثير في صياغة السياسات بدل الاكتفاء بردود الفعل عليها. إن محطة الرابع والعشرين من مارس ينبغي أن تكون محطة استثنائية في تاريخ الجالية المسلمة في الدنمارك: محطة تؤكد فيها تمسكها بالديمقراطية، وإيمانها بالقيم المشتركة، وحرصها على مستقبل أبنائها داخل هذا البلد الذي وفر لها فرص العيش الكريم والأمن والاستقرار. فلنجعل من هذه الانتخابات رسالة حضارية واضحة: أننا شركاء في البناء، لا ضيوف عابرين؛ وأن اختلاف العقيدة لا يلغي وحدة المصير؛ وأن الديمقراطية التي اخترنا العيش في ظلها تستحق أن ندافع عنها بالمشاركة، لا بالصمت. إنها لحظة وعي ومسؤولية… فلنحسن اغتنامها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *