المغرب لا يطلب الإذن… بل يعيد رسم التوازنات:

بقلم زكية لعروسي

حين اختارت لكسبريس أن تمنح وزيرة الاقتصاد والمالية نادية فتاح علوي مساحة للحديث عن موقع المغرب في عالم مضطرب، لم تكن تجامل الرباط، بل كانت تعترف بحقيقة تتبلور بهدوء: هناك قوة متوسطة جديدة تصعد جنوب المتوسط، بلا ضجيج أيديولوجي، وبأعصاب باردة. لكن مع كل صعود، يظهر المشككون. في الداخل، من يختزل التجربة في شعارات. وفي الخارج، من يتعامل مع المغرب كـ«استثناء ظرفي» لا كنموذج صاعد. هذا المقال ليس دفاعا عاطفيا، بل مواجهة مباشرة.

أولا: إلى المشككين في الداخل… الاقتصاد ليس خطابة هناك من يسأل: أين المعجزة؟ أين القفزة الصاروخية؟ لماذا لا نصبح قوة كبرى بين ليلة وضحاها؟ الجواب بسيط: لأن الدول الجادة لا تدار بمنطق الاستعراض.حين يقرر عملاق صناعي مثل سافران Safran نقل خطوط تجميع محركات ومعدات دقيقة إلى المغرب، فالأمر لا يتعلق بدعاية حكومية. الشركات العالمية لا تستثمر بملياراتها بدافع المجاملة. إنها تحسب المخاطر، تدرس الاستقرار السياسي، تقيّم كفاءة الكفاءات، وتفحص صلابة المؤسسات. لو كان المغرب هشّا كما يدّعي البعض، لما اختارته سلاسل التوريد الأوروبية في زمن إعادة التموضع الصناعي. المشككون داخليا يقعون في خطأ استراتيجي: يقيسون المغرب بمعايير دول نفطية أو قوى عظمى، ويتجاهلون نقطة الانطلاق الحقيقية … موارد محدودة، بيئة إقليمية معقدة، وضغوط اجتماعية متزايدة. ورغم ذلك، يواصل الاقتصاد المغربي: تنويع قاعدته الإنتاجية جذب صناعات عالية التقنية تثبيت موقعه كبوابة لإفريقيا هذه ليست معجزة. إنها هندسة صامتة.

ثانيا: إلى المشككين في الخارج… المغرب ليس ورشة خلفية لأوروبا بعض الدوائر الأوروبية لا تزال تنظر إلى الرباط بعين استعمارية قديمة: منصة منخفضة الكلفة، يد عاملة مرنة، سوق استهلاكية واعدة. لكن هذا التصور متجاوز. المغرب لا يقدّم نفسه كورشة بديلة لآسيا، بل كشريك في إعادة صياغة الأمن الصناعي الأوروبي. في زمن الحرب في أوكرانيا واضطراب البحر الأحمر، لم يعد القرب الجغرافي تفصيلا، بل مسألة سيادة. المملكة تملك: استقرارا سياسيا ممتدا رؤية ملكية طويلة الأمد شبكة اتفاقيات تجارية واسعة و تموقعا إفريقيا متقدما. من يتجاهل هذه المعادلة يقرأ المنطقة بعين الأمس.

لنكن واضحين: تركيا قوة صناعية معتبرة. لكنها دفعت ثمن تقلبات نقدية وخيارات سياسية أربكت الأسواق. المغرب اختار مسارا مختلفا: لا مغامرات نقدية، لا شعبوية اقتصادية، لا قفزات غير محسوبة. تركيا بنت قوة سريعة، لكنها عاشت اختبارات ثقة صعبة. المغرب يبني ببطء… لكنه يبني ثقة تراكمية. والثقة، في عالم المال، أهم من السرعة. الإمارات العربية المتحدة نجحت في التحول من اقتصاد نفطي إلى مركز  مالي ولوجستي عالمي. لكن نقطة الانطلاق كانت فوائض نفطية هائلة وصناديق سيادية عملاقة. المغرب لا يملك تلك الرفاهية. لا نفط وفير, لا فوائض ضخمة, لا احتياطات سيادية خيالية, ومع ذلك:

– بنى أكبر ميناء في إفريقيا المتوسّطي

– رسّخ صناعة سيارات وطيران تنافسية

– عزّز حضوره المالي في غرب إفريقيا

هذا ليس إنجاز دولة ريعية. هذا إنجاز دولة تصنع قوتها من ندرة مواردها. من يشكك في الدبلوماسية المغربية يتجاهل حقيقة بسيطة: الاقتصاد اليوم امتداد للسياسة. المغرب نسج شبكة علاقات: مع أوروبا مع الخليج مع الولايات المتحدة مع إفريقيا جنوب الصحراء ليس بمنطق المحاور، بل بمنطق التوازن. وهنا يكمن الفارق: دول كثيرة تقع رهينة محور واحد. المغرب يراكم شراكات متعددة دون أن يفقد استقلال قراره. السياسة الاقتصادية هنا ليست شعارا… بل قراءة واقعية… السياسة الساخنة لا تعني إنكار التحديات. المغرب يواجه: بطالة شبابية, ضغوطا اجتماعية, رهانات عدالة مجالية, لكن الفرق أن الدولة لا تنكر التحديات، بل تعالجها ضمن رؤية متماسكة. الأسهل هو جلد الذات. الأصعب هو الاعتراف بأن بلدا محدود الموارد نجح في فرض إسمه في طاولة الكبار.

إنّ المغرب لا يطلب تصفيقا، ولا ينتظر شهادة حسن سلوك. إنه ببساطة: يثبت نفسه في سلاسل القيمة العالمية يعزز موقعه الإفريقي يحافظ على استقراره المؤسسي ويكسب ثقة المستثمرين في زمن فقدان الثقة إلى المشككين داخليا: النقد مشروع، لكن إنكار التحول قراءة قاصرة. إلى المشككين خارجيا: المغرب لم يعد هامشا في المعادلة المتوسطية، بل أحد محدداتها. في عالم يعيد ترتيب أوراقه، هناك دول ترتبك… وهناك دول تعيد التموضع بهدوء. المغرب اختار الطريق الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *