بقلم د. زكية لعروسي
لم تكن الضربات الأميركية الإسرائيلية الأخيرة على إيران حدثا معزولا في سياق زمني قصير، بل تبدو كحلقة متقدمة في مسار تصعيدي بدأ منذ لحظة مفصلية هزت محور طهران في عمقه الرمزي والاستراتيجي، لحظة اغتيال حسن نصرالله. منذ تلك اللحظة لم يعد الصراع يدور فقط حول قواعد اشتباك موضعية أو رسائل ردع متبادلة، بل دخل طورا جديدا عنوانه إعادة تشكيل ميزان القوى عبر ضرب القلب المعنوي والعملياتي للشبكة الإقليمية التي بنتها إيران على مدى عقود.في واشنطن، حيث يحتدم الجدل داخل أروقة الكونغريس United States Congress، تبدو العملية الراهنة امتدادا لمسار اتخذ قراره الاستراتيجي قبل أشهر، حتى لو لم يعلن عنه صراحة. حين يشيد حلفاء الرئيس دونالد ترامب Donald Trump بما يسمونه عملا حاسما، فهم ينظرون إلى الصورة الكبرى لا إلى ضربة منفصلة. وحين يحذر معارضوه من انزلاق دستوري وعسكري، فهم يدركون أن ما يجري ليس ردة فعل تكتيكية بل حلقة في استراتيجية إعادة هندسة الردع في الشرق الاوسط.
اغتيال نصرالله لم يكن مجرد استهداف قائد، بل كان محاولة لكسر حلقة مركزية في ما يمكن تسميته بقوس النفوذ الإيراني الممتد من طهران الى المتوسط. الرد الايراني يومها كان محسوبا، موزونا بين حفظ الهيبة وتفادي الحرب الشاملة. لكن تلك اللحظة فتحت الباب أمام مرحلة جديدة عنوانها نقل المواجهة من ساحات الوكلاء إلى اختبار مباشر لقدرة إيران على حماية عمقها الاستراتيجي. ما نشهده اليوم هو استكمال لذلك المسار، حيث تتحول الضغوط المتراكمة الى ضربات معلنة تستهدف البنية الصلبة للردع الإيراني.
اسرائيل من جهتها قرأت اغتيال نصرالله باعتباره فرصة لإعادة صياغة معادلة الشمال والإقليم. التنسيق مع واشنطن لم يكن وليد اللحظة، بل ثمرة تقاطع مصالح حول ضرورة منع تموضع إيراني أكثر جرأة في الجوار. ومن هنا يمكن فهم العملية الحالية كجزء من سردية متكاملة تبدأ بضرب الرمز القيادي، ثم تتدرج نحو استهداف المنظومات والقدرات، وصولا الى محاولة فرض واقع استراتيجي جديد. في المقابل، تدرك طهران أن الرد غير المحسوب قد يجر المنطقة الى مواجهة مفتوحة تتجاوز قدرتها على التحكم بمساراتها. لكنها أيضا تعلم أن التراجع الصريح سيقوض صورة الردع التي بنتها منذ الثورة. لذلك تتحرك في هامش ضيق
بين التصعيد المدروس والحفاظ على خطوط حمراء تمنع الانفجار الكبير. هذا التوازن الهش هو ما يجعل المرحلة الراهنة شديدة الخطورة، إذ يكفي خطأ تقدير صغير لتحويل مسار الاستكمال الى مسار انفجار. أوروبا تتابع بقلق، خصوصا في ضوء الحديث عن قدرات صاروخية ايرانية قادرة على تهديد عمقها. ومع كل ضربة جديدة تتعزز المخاوف من أن يتحول الشرق الأوسط مجددا الى بؤرة توتر تؤثر في الطاقة والأمن والهجرة. لكن جوهر المسألة يبقى في واشنطن وطهران وتل أبيب، حيث يجري رسم الخطوط الفاصلة بين ردع يريد أن يفرض نفسه بالقوة، ومحور يسعى الى اثبات انه لم يفقد زمام المبادرة رغم الضربات. ما يحدث اليوم ليس بداية حرب بالضرورة، لكنه أيضا فصل متقدم من قصة بدأت منذ اغتيال نصرالله، حين تقرر الانتقال من ادارة الاشتباك الى محاولة حسمه تدريجيا عبر استنزاف أعمدة القوة الايرانية. وبين الاستكمال والانفجار تقف المنطقة على حافة مرحلة تاريخية جديدة، حيث تختبر الإرادات قبل الجيوش، وتوزن الحسابات بميزان أدق من أن يحتمل خطأ واحدا
