بقلم زكية لعروسي
التحوّل في الصورة السياسية لا يقلّ أهمية عن مضمون الخطاب ذاته. فالسياسي، خصوصا في لحظات الحرب أو التوتر العسكري، لا يخاطب الجمهور بالكلمات فقط، بل يخاطبه عبر الرموز البصرية: اللون، اللباس، زاوية الوقوف، وحتى تسريحة الشعر. في هذا السياق، فإن تغيير ربطة العنق من الأحمر إلى الأزرق، وتبدّل الإطلالة في خطاب موجّه إلى الأمريكيين في ظل تصعيد مع إيران، يمكن قراءته بوصفه تحوّلا دلاليا في تموضع الذات السياسية.
اللون كلغة غير منطوقة
اللون الأحمر في السياق السياسي الأمريكي يرتبط تقليديا بالحزب الجمهوري، بالقوة، بالحسم، وبالنبرة القتالية. إنه لون التعبئة، لون الاستقطاب، لون إعلان الإرادة. أما الأزرق، فيرتبط بالهدوء، بالمؤسسات، بالدولة، وأحيانا بالوحدة الوطنية العابرة للحزب. حين يستبدل ترامب ربطة العنق الحمراء بربطة عنق زرقاء في لحظة حرب، فقد يكون بصدد نقل الرسالة من “أنا زعيم الحزب” إلى “أنا رئيس الدولة”. إنه انتقال من الانتماء الحزبي إلى الشرعية السيادية. من منظور بسيكوسياسي، هذا التحوّل يخاطب اللاوعي الجمعي: في أوقات الخطر الخارجي، يميل الجمهور إلى البحث عن “الأب الحامي” لا عن “الخصم السياسي”. الأزرق هنا يرمز إلى الطمأنة وسط التهديد، إلى الثبات البارد في مواجهة النار المشتعلة. إذا كان الظهور الأخير حمل إيحاء أقرب إلى هيئة القائد العسكري منه إلى السياسي المدني التقليدي، فنحن أمام إعادة تشكيل للهوية الرمزية. في علم النفس السياسي، تسمّى هذه الظاهرة “تقمّص دور الحارس الأعلى”؛ حيث يتماهى القائد مع صورة الحامي القتالي، خصوصا عندما يعلن سقوط جنود أو استمرار عمليات عسكرية. هذا التحوّل ليس مجرد اختيار ملابس، بل هو مسرح سياسي كامل:
– نبرة أكثر حزما
-لغة أقل تفاوضا وأكثر تقريرية
-جسد أكثر صلابة وأقل انفتاحا
إنه إعلان بأن اللعبة لم تعد لعبة خطاب انتخابي، بل معادلة أمن قومي. وهنا يتراجع الأداء الحزبي لصالح أداء الدولة أو هكذا يراد للرسالة أن تفهم
تسريحة الشعر كرمز للسيطرة
قد يبدو الحديث عن الشعر سطحيا، لكنه في عالم الصورة السياسية ليس تفصيلا تافها. أي انضباط أو تغيير في الهيئة يوحي بالتحكم والسيطرة. في لحظات الأزمة، يسعى القائد إلى تجسيد الانضباط البصري ليعكس انضباط القرار. فالفوضى في المظهر تقرأ كفوضى في القيادة، بينما الصرامة الشكلية تقرأ كصرامة استراتيجية. فلسفيا، يمكن القول إن الخطاب قد لا يتغير جذريا، لكن “إطاره الرمزي” يتغير. هنا نستحضر فكرة أن السلطة الحديثة تمارس تأثيرها عبر الصورة بقدر ما تمارسه عبر القرار. فالقائد المعاصر ليس فقط من يصدر الأوامر، بل من يصوغ المشهد الذي تستقبل فيه تلك الأوامر. إذا كانت الرسالة هي استمرار الضربات وعدم التراجع أمام التهديد النووي، فإن التغيير البصري يعمل على:
– شرعنة التصعيد بوصفه دفاعا لا مغامرة
-امتصاص المخاوف الداخلية عبر صورة الاستقرار
-نقل المسؤولية من مستوى الحزب إلى مستوى الدول
في التحليل النفسي للسلطة، ثمة لحظة يتحوّل فيها القائد من شخصية سياسية مثيرة للجدل إلى رمز جماعي في زمن الخطر. هذا التحوّل يتطلب إعادة بناء الصورة. فالخطر الخارجي يعيد إنتاج “عقد الحماية” بين الشعب والقائد: أنا أتنازل عن جزء من قلقي، وأنت تتكفل بالأمن. لكن في الوقت ذاته، قد يقرأ هذا التغيير أيضا بوصفه إدارة مدروسة للانطباع (Impression Management)، أي محاولة توجيه إدراك الجمهور في لحظة حساسة. فالصورة هنا ليست انعكاسًا للواقع بقدر ما هي أداة لصياغته. إن تغيير ربطة العنق أو هيئة الظهور لا يمكن فصله عن المسرح السياسي الأشمل. ففي زمن تتداخل فيه الحرب بالإعلام، يصبح اللون قرارا، والبدلة خطابا، وتسريحة الشعر بيانا غير مكتوب. قد لا يكون الأمر تحولا جذريا في السياسة بقدر ما هو تحول في تمثيلها: من زعيم حزبي يواجه خصوما داخليين، إلى قائد يسعى لتجسيد وحدة الدولة أمام تهديد خارجي. وبين الأحمر والأزرق، وبين البدلة المدنية وهيئة القائد، تتجلى لعبة الرموز التي تحكم السياسة الحديثة, حيث الصورة ليست زينة للخطاب، .بل جزءا من بنيته العميقة
