بقلم زكية لعروسي
في لحظة بدت كأنها انكسار برق فوق سماء مشبعة بالبارود، تردّد اسم علي خامنئي كصدى ثقيل في أروقة السياسة الدولية، وتحوّلت طهران إلى مسرح تقاطع فيه الجغرافيا مع الميتافيزيقا، والخرائط مع العقائد. لم يكن الحدث – مهما اختلفت الروايات حوله – مجرد ضربة عسكرية، بل كان ذروة مسار طويل من التراكمات، كأن التاريخ السياسي للمنطقة كان يكتب فصلا جديدا بحبر من نار. إيران، منذ أن خرجت من رحم ثورة أطاحت بالشاه عام 1979، لم تقدّم نفسها كدولةٍ عادية تسعى إلى حدود آمنة فقط، بل كمشروع يتجاوز حدوده، كفكرة تريد أن تسكن الجوار قبل أن تسكن الأرض. هنا تبدأ الحكاية الفلسفية: حين تتحوّل الدولة إلى أطروحة، والسياسة إلى رسالة، يصبح الاصطدام حتميا. فالعالم الحديث، الذي تأسس على مفهوم الدولة-الأمة، لا يرتاح كثيرا للأفكار التي تعبر الحدود بلا تأشيرة.
في ميزان الجغرافيا السياسية، تبدو إيران كقلب ثقيل في جسد الشرق الأوسط؛ إذا تحرّك بقوة، اهتزّت الأطراف. نفوذ يمتد عبر مساحات عربية وإسلامية، تحالفات مع قوى غير دولية، حضور في نزاعات مفتوحة. بالنسبة للبعض هو “عمق استراتيجي”، وبالنسبة لآخرين هو “ظلّ طويل” يخترق الجدران. وبين هذين الوصفين تتكثف أسباب العداء. ليس العامل المذهبي مجرد تفصيل عابر. الانقسام السني–الشيعي، الذي عاش قرونا في جدل لاهوتي محدود التأثير السياسي، عاد ليطفو حين تماهت الهوية الدينية مع الاصطفاف الجيوسياسي. هنا يتشابك الفقه مع الأمن القومي، ويتحوّل الخلاف الكلامي القديم إلى وقودٍ معاصر. لكن السؤال الفلسفي يظل قائما: هل المذهب هو المحرك الحقيقي، أم أنه غطاءٌ لغريزة السلطة؟ كثيرا ما تستدعى الطوائف حين تعجز الدول عن الاعتراف بأن الصراع صراع مصالح لا أكثر.
أما البرنامج النووي، فكان أشبه بمرآة مكبّرة للريبة. في عالم يهاب اختلال التوازن، يكفي احتمال امتلاك قوة ردعية غير تقليدي ليُشعل سباق الشكوك. هنا يدخل عامل الردع، وتدخل الحسابات الباردة التي لا تعترف بالشعارات. الدول لا تخاف من الخطاب، بل من القدرة. ومن يملك قدرة كامنة يفرض على الآخرين إعادة حساباتهم. في الخلفية، تقف قوى دولية وإقليمية تراقب وتدير خيوط التوازن. بالنسبة إلى إسرائيل، يشكّل الصعود الإيراني تهديدا وجوديا وفق خطابها الأمني. وبالنسبة لواشنطن، حيث تعمل مؤسسات كـ CIA ضمن رؤية أوسع للمصالح الأمريكية، فإن المسألة تتصل بإعادة ضبط ميزان القوة في منطقةٍ حيوية للطاقة والممرات الاستراتيجية. هكذا يصبح الصراع طبقات فوق طبقات؛ طبقة أمنية، وأخرى أيديولوجية، وثالثة اقتصادية.
لكن لماذا تصطف دول إسلامية عديدة في موقع الخصومة؟ لأن الدولة الحديثة، حتى لو ارتدت عباءة الدين، تتحرك أولا وفق حسابات بقائها. كثير من الأنظمة ترى في الخطاب الثوري الإيراني احتمال عدوى سياسية، لا مجرد اختلاف مذهبي. وبعضها يخشى أن يتحوّل النفوذ العابر للحدود إلى ضغط داخلي يربك توازناته. في عالم السياسة، الخوف من الداخل أشد وقعا من الخوف من الخارج. التاريخ السياسي يعلمنا أن كل مشروع يتجاوز حدوده يثير حوله دوائر مقاومة. الإمبراطوريات القديمة، الحركات الإيديولوجية الكبرى، وحتى الثورات الحديثة، جميعها واجهت تحالفات مضادة. ليس لأن العالم يتفق دائما على عداء موحّد، بل لأن التوازن بطبيعته يقاوم الكتل الصاعدة. هكذا تبنى التحالفات أحيانا لا حبا في بعضها، بل خشية من طرف ثالث.
ومع ذلك، لا يمكن قراءة المشهد بلون واحد. ثمة من يرى أن إيران تدفع ثمن استقلال قرارها و رفضها الانخراط في منظومة الهيمنة الغربية. وثمة من يرى أنها صنعت جزءا كبيرا من عزلتها عبر سياسات تصادمية. بين الروايتين مساحة رمادية واسعة، تسكنها المصالح المتشابكة وسوء الفهم المتبادل والتاريخ المثقل بالندوب. يبدو العداء المتشكّل ضد إيران كأنه نتيجة معادلة معقّدة: فكرة تريد أن تتمدّد، ودول تريد أن تحمي حدودها؛ عقيدة ترى نفسها رسالة، ونظام دولي يرى في الاستقرار أولوية؛ خوف من اختلال الميزان، وخوف من فقدان الهوية. وبين هذه الخيوط جميعا، تبقى المنطقة معلّقة بين نارين: نار الطموح، ونار الردع. والسؤال الذي لا يزال معلقا في فضاء السياسة والفلسفة معا: هل يمكن لمشروع عقائدي أن يتصالح مع نظام دولي براغماتي، أم أن قدر الإثنين أن يبقيا في شدّ دائم، كمدّ وجزر لا يعرف السكون؟

الوجود المعاصر يتكلم، لا بالملة أو المذهب أو الايديولوجيا حتى، وإن كان لهذه القوى دورا على مستوى رص صفوف المجتمعات، بل يتكلم القوة المؤسسة على التقنية النووية. هذه القوة هي الرسام المعاصر للجغرافيا السياسية. لأنها بإمكانها تفجير خيمة المذهب وأخذ رأس الدولة حتى، من سرير نومه، من دون أن يستيقظ الحارس….