بقلم زكية لعروسي
في لحظات تختلط فيها الأوراق بالغبار، تطلّ ميلانيا ترامب من بوابة مجلس الأمن، تمسك بالمطرقة الأممية في لحظة تهتزّ فيها خرائط الشرق الأوسط على وقع النار. العالم مشغول بإيران، والسماء مثقلة بأخبار الضربات، لكن السجادة الزرقاء في مقرّ الأمم المتحدةs في نيويورك تستقبل سيدة البيت الأبيض في مشهد يربك الموازين ويستفزّ الأسئلة. يقول المثل المغربي: “اللي دارها بيديه يفكّها بسنيه”؛ ومن أشعل نار السياسة بيديه لا يطفئها بخطاب عن الطفولة والسلام. في اللحظة فيها واشنطن، بقيادة دونالند ترامب, تخوض مواجهة مفتوحة في المنطقة، الزوجة ميلينا تستعد للحديث عن التعليم وأطفال الحروب. كأنّ السياسة الأمريكية تمشي برجل في ساحة المعركة وأخرى في قاعة الدبلوماسية، فتبدو الصورة مزدوجة: قبضة من حديد، وقفاز من حرير. وأمي خيرة تقول أيضا: “كثرة الهمّ تضحك”؛ فالعالم يبتسم ساخرا أمام مفارقة ثقيلة. كيف يمكن لمطرقة مجلس الأمن أن تصدح بكلمات عن البراءة، فيما الطائرات لا تزال ترسم خطوطها فوق خرائط النزاع؟ هنا تتخلخل المعايير، ويصبح السؤال أثقل من الجواب: هل هي دبلوماسية ناعمة توازن الخشونة، أم مسرح سياسيّ يحسن توزيع الأدوار؟
زيارة ميلانيا ليست مجرد بروتوكول؛ إنها رسالة. ففي السياسة، كما في السوق العتيق، “اللي ما عندو سيدوعندو لالاه”. حين تهتزّ صورة الإدارة في الخارج، يستدعى الوجه الأكثر هدوءا لتليين الحواف. تتقدّم السيدة الأولى بملفّ الأطفال والتعليم، وهو ملفّ إنساني لا يختلف عليه اثنان، فتعيد ترتيب المشهد، أو تحاول. كأن واشنطن تقول: نحن قادرون على القتال… وقادرون على الحديث عن السلام أيضا. غير أن السياسة لا تقاس بالنوايا بل بالتوقيت. والتوقيت، كما يقول أهل المغرب، “وقت الشدة يبان الصحاب”. فهل تأتي هذه الخطوة لتأكيد حضور أمريكا في الأمم المتحدة، أم لتذكير العالم بأن النفوذ لا يزال بيدها، حتى في لحظات النقد والاحتجاج؟ بعض المراقبين يرون فيها محاولة لإعادة الإمساك بزمام السردية، خصوصا بعد انتقادات طالت مواقف واشنطن من ملفات دولية حساسة.
في عمق المشهد، تتجلى فلسفة التوازن القلق: دولة تنتقد المنظمة الدولية أحيانا، ثم تعود لتعتلي منصتها؛ إدارة تشكك في فعالية المجلس، لكنها تحرص على أن تضرب مطرقته باسمها. إنه ذاك التناقض الذي يختصره مثل مغربي بليغ: “يدِّي فالماء وعينو فالنار”. الحضور في الأمم المتحدة يمنح شرعية رمزية، حتى لمن يختلف معها. لكن الأهم من الشخص هو الدلالة. أن تترأس زوجة رئيس في الحكم جلسة لمجلس الأمن سابقة تاريخية، لكنها أيضا مؤشر على تحوّل السياسة إلى مشهد متعدد الوجوه. لم تعد القوة الصلبة وحدها تكفي؛ ثمة حاجة إلى صورة، إلى خطاب، إلى لمسة إنسانية تعيد ترتيب الموازين ولو مؤقتا. وهكذا، بين المطرقة والكلمة، بين الحرب والطفولة، تقف الزيارة كمرآة لزمن تتجاور فيه المتناقضات. وفي المغرب يقولون: “الدنيا دوّارة”؛ واليوم الذي تمسك فيه واشنطن بزمام السرد، قد تجد نفسها غدا أمام سؤال أخلاقي أصعب. أما الآن، .فالمشهد مفتوح على تأويلات كثيرة، والسياسة – كما عهدناها – لا تقول كل ما تفعل، ولا تفعل كل ما تقول
