كل واحد يلغي بلغاه : شبكة التواصلX

بقلم زكية لعروسي

في زمن كانت الأخبار تصل فيه على صهوات الخيل، كان الخطأ بطيئا والحكمة بطيئة معه. أما اليوم، فالمعلومة تسافر بسرعة الضوء، بينما يتعثر المعنى في الزحام. شبكات التواصل ليست مجرد منصات؛ إنها مسارح كونية تعرض عليها الحروب، وتُث فيها الآلام، وتختصر فيها الجغرافيا إلى وسم متداول. لقد منحتنا العولمة نافذة مفتوحة على كل شيء، لكنها لم تمنحنا دائمًا عدسة صافية. “كل واحد يلغي بلغاه”… حين تصبح الحقيقة لهجة المثل المغربي البليغ “كل واحد يلغي بلغاه” ليس حكمة شعبية فحسب، بل تشخيص فلسفي لعصرنا. كل طرف يبني لغته، وسرده، وصورته للعالم. وفي الفضاء الرقمي، تتكاثر اللغات كما تتكاثر الظلال عند الغروب.

الخوارزميات لا تبحث عن الحقيقة، بل عن التفاعل…تفاعل لا يكافئ الدقة، بل الإثارة, فنحن لا نرى الحدث فقط، بل نراه عبر طبقات: طبقة الصورة المقتطعة ,طبقة التعليق الغاضب ,طبقة الحسابات الموجهة , طبقة الجيوش الإلكترونية, و طبقة الذكاء الاصطناعي الذي يصنع مشاهد لم تقع. وهكذا تتحول الحقيقة من نهر جار إلى فسيفساء متناثرة. في القرن العشرين، كانت الدولة هي الفاعل المركزي. اليوم، السردية قد تكون أقوى من الدولة. في النزاعات الكبرى، من إيران إلى تركيا، ومن إسرائيل إلى الولايات المتحدة، لا تخاض المعارك في الميدان فقط، بل في “الترند”. صاروخ في السماء يقابله وسم على الشاشة. تصريح رسمي يقابله فيديو مدته ثلاثون ثانية يحصد ملايين المشاهدات. لكن هل هذا الفيض يقودنا إلى فهم أدق؟ ربما يمنحنا صورة أوسع، لكنه لا يمنحنا دائمًا صورة أعمق. إلى أين نحن من الحقيقة؟

الحقيقة في زمن الشبكات ليست غائبة، لكنها موزعة. والمشكلة ليست في ندرة المعلومات، بل في وفرتها المفرطة. التاريخ، ذلك الكائن الذي لا أخلاق له، لا يكافئ النوايا الحسنة. إنه ينصّب المنتصر راويا رسميا، ويترك المهزوم في الهامش. والشبكات الاجتماعية، رغم ديمقراطيتها الظاهرة، قد تعيد إنتاج هذا المنطق بطرق أكثر نعومة: من يملك النفوذ الرقمي يملك القدرة على .تشكيل الإدراك, من يملك أدوات التضخيم يملك حق الظهور, ومن يملك الصبر الاستراتيجي يربح في النهاية معركة الزمن الحقيقة إذن ليست ما يقال أولا، بل ما يبقى أخيرا. شبكات التواصل: أداة فهم أم مسرح ضبابي؟ هي الاثنان معا. تساعدنا لأنها: تكشف زوايا لم تكن مرئية ,تمنح صوتا للمهمشين , تكسر احتكار الإعلام الرسمي وتضللنا لأنها: تختزل المعقد في شعارات. تسرّع الأحكام. تصنع يقينا زائفا. الفهم في عصر الشبكات يشبه النظر عبر زجاج مكسور: نرى أكثر، لكن القطع الصغيرة تعكس الضوء بزوايا مربكة. لسنا أبعد عن الحقيقة، لكننا لسنا أقرب إليها بالضرورة. نحن في منطقة وسطى: نملك كل شيء، ونفقد التفسير. ربما لا تكمن الأزمة في العولمة، ولا في الشبكات، بل في وعينا نحن. في قدرتنا على التمييز بين الخبر والرواية، بين الصورة والسياق، بين اللحظة  والتاريخ. التاريخ لا أخلاق له، نعم. لكنه يملك ذاكرة طويلة. والذاكرة لا تنخدع بالضجيج طويلا. الحقيقة, في نهاية المطاف, ليست ما يتصدر الشاشات، بل ما يصمد حين تنطفئها

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *