بورتريه ترامب:  إدارة الفوضى بربطة عنق 

بقلم زكية لعروسي

ترامب ليس رجلا بقدر ما هو ظاهرة جوية، إعصار يمشي على قدمين، كلما ظن العالم أنه هدأ عاد من جهة أخرى محملا بالغبار والضجيج والنذر. يدخل التاريخ لا من أبوابه الهادئة بل من نوافذه المكسورة، ويكتب إسمه بالأصابع لا بالحبر، بالصدمة لا بالمنطق. هو إبن الفوضى المدربة، التلميذ النجيب لمدرسة الاستفزاز، والسياسي الذي لا يؤمن بالطريق المستقيم لأن الخط المتعرج وحده يسمح له برؤية الجميع وهم يتعثرون خلفه. حين يتكلم ترامب لا تتكلم اللغة بل تتشاجر، تتدافع الكلمات كما في حانة عند منتصف الليل، كل جملة قابلة لأن تكون شرارة، وكل فكرة مرشحة لأن تتحول إلى حريق. هو لا يخاطب العقول بل غرائز الخوف والحنين والغضب، يضغط على الذاكرة الجماعية كما يضغط لاعب أورغن على مفاتيح كنيسة قديمة، فتخرج الألحان مزيجا من وطنية جريحة ونشوة قوة وخرافة خلاص وشيك. لا يعد بالمستقبل بقدر ما يستدعي أشباح الماضي ويكسوها بدلة حديثة ويقول هذا هو الغد. ترامب يرى العالم كصفقة كبرى، كازينو مفتوح بلا سقف، الرابح فيه لا يحتاج الى أخلاق بل الى أعصاب باردة وصوت عال. الدول عنده أوراق لعب، الحلفاء مؤقتون، والخصوم ديكور ضروري لصناعة المشهد. لا يؤمن بالخرائط بل بنقاط الضغط، لا يعترف بالقانون الدولي إلا بقدر ما يصلح كعصا أو جزرة. هو لا يهدم النظام القائم فقط بل يسخر منه وهو يفعل، كمن يخلع ساعة فاخرة ليثبت أن الوقت ملكه وحده.

في مخيلته القادمة لا يوجد إستقرار بل توتر دائم، لأن التوتر هو الأكسجين الذي يتنفسه. ما يحضره ليس حربا تقليدية ولا سلاما شفافا، بل حالة رمادية طويلة، عالم يمشي على حافة السكين، حيث الضربة تسبق البيان، والتغريدة تسبق القرار، والتهديد يصبح سياسة قائمة بذاتها. سيجعل الجميع في وضع  إستعداد دائم، كجنود بلا معركة، لأن القلق عنده أداة حكم، ومن ينام مطمئنا يخسر. هو لا يبني إمبراطورية صامتة بل مسرحا صاخبا، كل يوم فيه عرض جديد، وكل عرض يحتاج عدوا جديدا، ولو لم يجده إخترعه. سيوزع الأصابع الاتهامية كما توزع الأوراق في لعبة بوكر، بلا شرح وبلا إعتذار. سيغوي البعض بوعد الحماية، ويخيف البعض الآخر بشبح العقاب، وفي الحالتين سيبقى هو محور الكاميرا، لأن أسوأ كوابيسه ليس الهزيمة بل التجاهل. ومع ذلك، خلف هذا الصخب كله، هناك حدس حيواني دقيق، قدرة على شم الخوف في الهواء ومعرفة أين يضع قدمه التالية ليحدث أكبر صدى. هو لا يخطط كاستراتيجي كلاسيكي بل كمصارع محترف، يعرف متى يضرب ومتى يستفز ومتى ينسحب خطوة ليجعل خصمه يتقدم أكثر مما ينبغي. المستقبل الذي يعد به ليس واضحا ولا نظيفا، بل متشظيا، مليئا بالمفاجآت، كصندوق أسود لا يعرف أحد ما يخفيه إلا حين يسقط. ترامب القادم ليس نسخة محسنة ولا تراجعا نادما، بل تكثيفا للنسخة نفسها، أكثر جرأة، أقل اكتراثا، وأشد إيمانا بأن العالم حلبة، وأن من لا يصرخ يخسر، ومن لا يهاجم يؤكل. هو مرآة قاسية لزمن مرتبك، وحين ينظر العالم فيه لا يرى ترامب وحده، بل يرى خوفه الخاص وقد لبس بدلة رئيس.

One thought on “  بورتريه ترامب:  إدارة الفوضى بربطة عنق 

  1. وكأننا نعيش غابة، كثر فيها المفترسون.وقلت فيها الأرانب. وعند احتراقها من قوة الجبروت وشهوة الافتراس، لم يظهر سوى الطائر الكولبري، الطائر الطنان، وحده ، يحمل بمنقاره الصغير يحمل ماء لإطفاء النار. نظر اليه المفترسون بسكون طرف. رد عليهم je fais ma part. ما تقوم به الورقاء هو عينه موقف الكولبري. أن نقول لا للوجه البشع لزارعي البشاعة والبربرية فوق الأرض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *