محمد الدفيلي : صحفي مهني باحث قانوني
تشكل التجربة الدستورية في إيران إحدى أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في العالم المعاصر. فمنذ دستور المشروطية سنة 1906، الذي اعتبر أول محاولة في العالم الإسلامي لتقييد السلطة المطلقة للشاه وإرساء نظام برلماني، مرّت إيران بتحولات دستورية عميقة انتهت بقيام الجمهورية الإسلامية سنة 1979. غير أن هذا التحول لم يؤدِّ إلى بناء نظام ديمقراطي حديث بقدر ما أفضى إلى قيام نموذج سياسي فريد يجمع بين مؤسسات انتخابية شكلية وسلطة دينية مطلقة، وهو ما يثير اليوم تساؤلات جدية حول طبيعة هذا النظام وتأثيره على السلم والأمن الدوليين.
لقد جاء دستور المشروطية لسنة 1906 استجابةً لموجة من الاحتجاجات الشعبية التي اندلعت في مواجهة الاستبداد القاجاري والتدخلات الأجنبية في الشأن الإيراني. وقد سعى هذا الدستور إلى إرساء نوع من التوازن بين السلطة الملكية والمؤسسات التمثيلية من خلال إنشاء مجلس الشورى الوطني ومنح البرلمان صلاحيات تشريعية ورقابية. غير أن التجربة الدستورية الأولى في إيران بقيت هشة، إذ احتفظ الشاه بصلاحيات واسعة، كما تم منح رجال الدين دوراً مؤثراً في مراقبة التشريعات، الأمر الذي أوجد منذ البداية ازدواجية بين السلطة السياسية والسلطة الدينية.
ومع انتقال السلطة إلى الأسرة البهلوية سنة 1925، دخلت إيران مرحلة جديدة من التحديث السياسي والاجتماعي. فقد حاول رضا شاه بناء دولة مركزية قوية متأثرة بالنموذج الغربي، إلا أن هذه الإصلاحات تمت في إطار سلطوي لم يسمح بتطور حقيقي للمؤسسات الدستورية. ومع وصول محمد رضا بهلوي إلى الحكم، تحولت الملكية تدريجيا إلى سلطة مطلقة، خاصة بعد الإطاحة بحكومة محمد مصدق سنة 1953 بدعم غربي. وقد أدى هذا التحول إلى تهميش الحياة السياسية وتعزيز دور الأجهزة الأمنية، مما خلق حالة من الاحتقان السياسي والاجتماعي مهدت الطريق لثورة 1979. غير أن الثورة الإسلامية التي قادها آية الله روح الله الخميني لم تؤدِّ إلى إقامة نظام ديمقراطي بالمعنى المتعارف عليه، بل أسست لنظام سياسي يقوم على مبدأ “ولاية الفقيه”، الذي يمنح رجل الدين الأعلى في الدولة سلطات واسعة تتجاوز بكثير صلاحيات أي رئيس دولة في الأنظمة الديمقراطية. فالدستور الإيراني لسنة 1979، المعدل سنة 1989، وضع المرشد الأعلى على رأس هرم السلطة، مانحاً إياه صلاحيات الإشراف على السلطات الثلاث وتعيين كبار المسؤولين العسكريين والقضائيين والإعلاميين. ورغم وجود مؤسسات منتخبة مثل رئاسة الجمهورية ومجلس الشورى الإسلامي، فإن هذه المؤسسات تبقى خاضعة لرقابة مجلس صيانة الدستور، وهو هيئة غير منتخبة تتولى فحص القوانين والمرشحين للانتخابات، بما يسمح عملياً بإقصاء أي تيار سياسي لا ينسجم مع التوجهات الأيديولوجية للنظام. وبهذا المعنى، فإن النظام الإيراني يقدم نموذجاً لدولة تجمع بين الشكل الجمهوري والمضمون الثيوقراطي.
غير أن خطورة هذا النموذج لا تقتصر على بنيته الداخلية، بل تمتد إلى تأثيره في البيئة الإقليمية والدولية. فالدستور الإيراني نفسه يتضمن بعداً أيديولوجيا واضحا يقوم على فكرة “نصرة المستضعفين” وتصدير الثورة، وهو ما انعكس عمليا في السياسات الإقليمية لإيران خلال العقود الأخيرة. فقد أدى هذا التوجه إلى انخراط إيران في عدد من الصراعات الإقليمية عبر دعم جماعات مسلحة خارج حدودها، الأمر الذي جعلها فاعلا رئيسيا في عدد من بؤر التوتر في الشرق الأوسط. ومن منظور القانون الدولي والعلاقات الدولية، فإن هذا النمط من الأنظمة السياسية يطرح إشكالية حقيقية تتعلق بمدى احترام مبادئ السيادة وعدم التدخل، وهي المبادئ التي يقوم عليها النظام الدولي المعاصر. فالدول التي تقوم بنيتها الدستورية على مرجعية أيديولوجية عابرة للحدود غالبا ما تجد نفسها في حالة صدام مع قواعد النظام الدولي، وهو ما يفسر جزءا كبيرا من التوتر المستمر بين إيران وعدد من القوى الإقليمية والدولية.
وعند مقارنة التجربة الإيرانية بالتجارب الدستورية في الأنظمة الديمقراطية الحديثة، يتضح أن أحد الشروط الأساسية لاستقرار الدولة هو وجود فصل حقيقي بين السلطات وخضوع جميع المؤسسات للمساءلة الشعبية. غير أن النظام الإيراني يكرس وضعا معكوسا، حيث تحتكر مؤسسة دينية غير منتخبة السلطة العليا في الدولة، بينما تبقى المؤسسات المنتخبة محدودة الصلاحيات. لقد انتقلت إيران، في الواقع، من مرحلة هيمنة “التاج” في العهد الملكي إلى هيمنة “العمامة” في ظل الجمهورية الإسلامية، دون أن يتحقق الانتقال الكامل نحو دولة القانون والمؤسسات. وبهذا المعنى، فإن التجربة الإيرانية تمثل نموذجا سياسيا فريدا، لكنه في الوقت ذاته يثير الكثير من المخاوف بشأن انعكاساته على الاستقرار الإقليمي والسلم الدولي. إن القراءة الدستورية المقارنة للنظام الإيراني تكشف بوضوح أن المشكلة لا تكمن فقط في السياسات الظرفية لهذا النظام، بل في طبيعة بنيته الدستورية ذاتها، التي تمنح سلطة شبه مطلقة لمؤسسة دينية غير خاضعة للمساءلة الديمقراطية. وفي ظل هذا البناء الدستوري، يصبح من الصعب الحديث عن تحول ديمقراطي حقيقي داخل إيران، كما يصبح من المشروع التساؤل حول مدى قدرة هذا النظام على التعايش مع قواعد النظام الدولي القائم على سيادة الدول واحترام القانون الدولي.
