بقلم د. زكية لعروسي
نعم، أيتها الذاكرة الحية، أيها الحلم الممزق… ها أنا أصرخ! أصرخ من بين جثث الكلمات التي ذبحت أمامي على مذبح “الحاجيات والأولويات! أصرخ والدم يقطر من شرايين المعنى، ومن قلبي الذي نفجر في ذلك اللقاء البارد.. بدل لقاء ظننته إحتفاء بروح الثقافة، فإذا به امتحان قاس للإيمان بالثقافة ذاتها.في لحظة كان يفترض أن تكون احتفاء بالثقافة، تحوّل اللقاء إلى مشهد مؤلم لإعدامها. لحظة واحدة كانت كافية لأدرك أن الكلمة يمكن أن تقتل ببرودة.
قلت، بكل فخر، إن الجالية المغربية لم تعد يتيمة الصوت. قلت إن لها منبرا، وجريدة تحمل قضاياها وتكتب بمداد الذاكرة عن معاناتها وأحلامها. قلت إننا أخيرا نملك مساحة نحمي بها لغتنا وثقافتنا من الذوبان في المنفى. فجاءني الجواب باردا كرصاصة: “الجالية لا تحتاج إلى جريدة.” لم تكن مجرد جملة عابرة. كانت حكما بالإعدام على الثقافة. أي قسوة هذه التي تسلخ فيها الهوية عن جسد الجالية، ويقدّم لنا جلدها كأنه يكفي؟ كيف تختزل حياة الناس في “الحاجيات العملية” وكأن الإنسان يستطيع أن يعيش بلا ذاكرة، بلا لغة، بلا فن، بلا حكاية تحميه من الضياع؟
إنها ليست إهانة فقط. إنها جريمة صامتة. جريمة في حق العامل المغربي الذي يستيقظ فجرا في ضواحي باريس وهو يخشى أن يكبر أبناؤه بعيدين عن جذورهم. جريمة في حق الأم التي تحاول أن تنسج لأطفالها خيطا من الهوية من خلال حكايات الجدات. وجريمة في حق الشاب الموهوب الذي يبحث عن مساحة ليعبّر عن نفسه بعيدا عن خطاب الإقصاء والتطرف. أي زمن هذا الذي تختزل فيه الجالية في ملفات إدارية وحاجيات يومية، ويمحى منه روحها الثقافية؟
قيل لنا إن الثقافة ليست من الأولويات. قيل إن الجالية لها اهتمامات أخرى.
قيل إن المؤسسات الأخرى تتكفل بما هو ثقافي.
قيل لي إن ما تحتاجه الجالية يدخل في اختصاص وزارات أخرى، ومؤسسات أخرى، وكأن الثقافة عبء زائد، لا جسر من جسورها.
وهنا، لا بد أن أسأل: منذ متى كانت الثقافة عبئا؟ منذ متى كانت اللغة هامشا؟ منذ متى صار الحرف تهمة؟ أن يقال اليوم إن الثقافة ليست أولوية، فذلك ليس رأيا… إنه إعدام رمزي للروح. لقد أماتني هذا الكلام قبل موتي الحقيقي.
التاريخ كله يقول العكس. في كتب الإغريق، في ألواح الفراعنة، في مخطوطات الأندلس، في فلسفة كانط، في شعر المتنبي، لم تكن الثقافة يوما على هامش التاريخ، بل كانت محركه الخفي. الفن هو الذي حفظ الأمم، لا الخبز وحده. اللغة هي التي صانت الهويات، لا الجدران وحدها. والتاريخ لم يكتب بالقرارات الإدارية، بل بالقصائد، باللوحات، بالموسيقى، والكتب التي قاومت النسيان. الثقافة هي جهاز المناعة الروحي للشعوب. حين تهمل الثقافة في المنفى، لايترك فراغ بسيط… بل يُترك فراغ خطير، سرعان ما تملؤه تيارات التطرف والضياع. ولهذا فإن الجالية المغربية في أوروبا تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى فضاءات ثقافية حقيقية. تحتاج إلى مراكز ثقافية تجمع أبناءها، تعرّف أحفادها بوطن ربما لم يروه إلا في الصور، وتمنح مبدعيها فرصة التعبير عن أنفسهم.
المركز الثقافي ليس بناية. إنه جسر….جسر بين الأب المهاجر وأبنائه الذين كبروا في لغة أخرى. جسر بين الأحفاد ووطن لم يعيشوا فيه. جسر بين باريس الأنوار ورباط التاريخ والشرفاء. بدون هذا الجسر، تصبح الهوية مجرد ذكرى بعيدة. يقال لنا إن هناك مؤسسات قائمة، مثل “دار المغرب”. لكن الحقيقة المؤلمة أن كثيرا من المبدعين في الجالية لا يجدون فيها أبوابا مفتوحة. يقولون: “المركز الثقافي وهمك ومشكلتك وحدك”. ويقولون: “الأغلبية لا تريد”. ويقولون: “لدينا إهتمامات أخرى”. وأنا أقول: هذا كذب أبيض يغطي على موت أسود! هذا تخلي عن المسؤولية الأكثر قدسية: مسؤولية حفظ النبض الروحي للمغرب والمغاربة. نحن لسنا “إحصائية” ولا “كتلة بشرية” تحتاج إلى “خدمات”. نحن أرواح تحترق. تحرق بشوق لا يطاق لوطن لم نعد نعرفه إلا من خلال زيارات متقطعة. نحرق بغربة تأكل من هويتنا وتجعلنا غرباء هنا وهناك. ونحرق بصمت قاتل يُفرض علينا، وكأن صوت الثقافة هو صوت عار! وأقول: لو صمت المثقفون، فذلك لأن الأبواب أُغلقت في وجوههم. ولو غابوا، فذلك لأن الفضاءات لم تفتح لهم. ولو انكسروا، فذلك لأن الثقافة حُوصرت حتى صارت امتيازا. الثقافة يجب أن تكون فضاء ديمقراطيا مفتوحا للجميع: للشباب، للنساء، للفنانين المجهولين، للكتاب الذين لا يملكون إلا كلماتهم. فالثقافة ليست هي الدبلوماسية الحقيقية حين تعجز السياسة.
لهذا أكتب اليوم، لا بل أصرخ. صرخة ليست من أجل مشروع شخصي، ولا من أجل مركز ثقافي بعينه. إنها صرخة من أجل شيء أكبر: من أجل روح الجالية المغربية. لأن الجالية ليست مجرد رقم في إحصاء. هي جسر حي بين المغرب والعالم. وإذا انكسر هذا الجسر، فلن يخسر المغرب جالية فقط، بل سيخسر جزءا من صوته في العالم. وأقولها بمرارة المنفى: من يقتل الثقافة في الاغتراب، يطعن الوطن في ظهره. ومن يسكت صوت المثقف، يهدم آخر حصن للهوية. لكن الصمت لا يمكن أن يكون النهاية. لأن الهوية التي تترك لتذبل اليوم، قد لا تزرع غدا. والثقافة التي تعدم في المنفى، تترك وطنا كاملا بلا ذاكرة.
لذلك أصرخ، ولا أريد أن أكون”مهذبة” في صرختي: كفى! كفى تهميشا للذين يحملون هموم الأمة في قلوبهم قبل ملفاتهم! نحن لسنا عبئا، نحن جسر…. جسر من لحم ودم وذاكرة. وإذا انكسر هذا الجسر، فسيفقد المغرب أكثر من “جالية”. سيترك أبناءه فريسة لكل تيار متطرف قد يملأ فراغ الوطن الأم! أقول هذا بدموع غليظة، بدموع فيها مرارة الملح وحرقة النار: أكتب هذا وأنا أرتعش وطنيا. أكتب والدمع له ألف لسان. منذ سنتين ونصف، وأنا أكتب، وأُراسل، وتجهض المحاولات. لكنني لن أصمت. لأن الثقافة ليست مشكلتي وحدي. إنها قضية وطن. وهذه الصرخة الممزوجة بالدموع ليست طلبا للمساعدة، بل هي صرخة. إن الهوية التي تشرَّح على طاولة الإهمال، سيكون إرجاعها إلى الجسد مستحيلا. أنا أرتعش من الحزن، من الخوف على ما تبقى. ولكنني سأظل أصرخ. حتى لو صرخت في واد. حتى لو كان دمي هو الحبر الذي يكتب هذه الكلمات. فالوطن والثقافة يستحقان أن نموت من أجلهما، لأنهما يجعلان الحياة تستحق أن تعاش, ومملكتنا المغربية الشريفة أن تكون حاضرا ومستقبلا خالدين.
