إيران قلب صراع الشرق أوسطي بسبب التشيّع؟

بقلم زكية لعروسي

هناك لحظات في تاريخ الأمم تبدو كأنها ومضة عابرة، لكنها في حقيقتها تشبه الزلازل البطيئة التي تتحرك في أعماق الأرض قبل أن تغيّر شكل القارات. لا يسمع الناس صوتها في البداية، غير أن آثارها تظهر بعد قرون حين يكتشف البشر أن العالم الذي يعيشون فيه لم يعد هو العالم نفسه. وإيران واحدة من تلك الحالات النادرة في التاريخ؛ أرض عرفت الإمبراطوريات منذ آلاف السنين، وورثت من الفرس القدماء حسّ الدولة والعمران والفلسفة، ثم دخلها الإسلام فامتزج فيها الإرث القديم بروح حضارية جديدة. غير أن المفارقة التي تدهش المؤرخين أن هذه البلاد التي تعرَف اليوم في الوعي العالمي بأنها المركز الأكبر للتشيع لم تكن كذلك في معظم تاريخها الإسلامي، بل كانت لقرون طويلة جزءا من العالم السني الواسع، عامرة بالعلماء والفقهاء والمدارس الفكرية الكبرى.

منذ القرن السابع الميلادي، حين دخل الإسلام إلى بلاد فارس، أخذت إيران تنخرط تدريجيا في النسيج الحضاري للعالم الإسلامي. كانت مدن مثل نيسابور وأصفهان والري ومرو مراكز علمية كبرى تضج بالحياة الفكرية، وتخرج منها أسماء لامعة في الفلسفة والفقه والكلام، مثل أبي حامد الغزالي والبيهقي والجويني. كان الفقه السني هو اللغة السائدة في المساجد والمدارس، وكان التشيع موجودا لكنه محدود الانتشار، أشبه بجدول صغير يجري على هامش نهر الحضارة الإسلامية العظيم. ولو عاد مسافر من القرن العاشر الميلادي إلى الحياة اليوم ورأى إيران المعاصرة، لربما خُيِّل إليه أنه يقف أمام بلد آخر لا يشبه تلك الأرض التي عرفها. لكن التاريخ لا يسير دائما وفق توقعات العقلاء. أحيانا يكفي قرار واحد، أو شخصية واحدة، لكي ينحرف مجرى القرون بأكملها. ففي مطلع القرن السادس عشر ظهر شاب لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره هو إسماعيل الأول . دخل مدينة تبريز سنة 1501م على رأس حركة صوفية مقاتلة، وأعلن قيام الدولة الصفوية. غير أن الحدث الأكثر تأثيرا لم يكن مجرد تأسيس دولة جديدة، بل القرار الذي اتخذه ذلك الفتى بجعل المذهب الشيعي الإثني عشري مذهبا رسميا للدولة. لم يكن القرار مجرد اختيار ديني بقدر ما كان خطوة سياسية عميقة في لعبة التوازنات الإقليمية. فقد وجدت الدولة الصفوية نفسها محاطة بقوتين سنيتين عظيمتين: الدولة العثمانية في الغرب وقوى آسيا الوسطى في الشرق. وكان على السلطة الجديدة أن تخلق لنفسها هوية مختلفة تحمي استقلالها وتمنحها تميزا واضحا في محيطها الجيوسياسي. ومن هنا تحوّل التشيع من تيار ديني محدود إلى أساس لبناء هوية سياسية كاملة.

غير أن المجتمعات لا تغيّر عقائدها كما يغيّر اللباس؛ فالتحولات الكبرى تحتاج إلى زمن طويل يعيد تشكيل الذاكرة الجماعية ببطء. خلال العقود اللاحقة استدعي علماء من العراق ولبنان والبحرين، وأنشأت مؤسسات دينية جديدة، وانتشرت طقوس عاشوراء في المدن والقرى، حتى بدأت إيران تعيد صياغة هويتها الدينية والثقافية. ومع مرور الزمن تحولت مأساة كربلاء من حدث تاريخي إلى رمز عاطفي عميق يحمل دلالات الظلم والمقاومة والانتظار، وأصبحت تلك الرمزية جزءا من البنية النفسية والسياسية للمجتمع. غير أن الفلسفة السياسية تعلمنا أن الأفكار عندما تدخل مجال السلطة تتغير طبيعتها. فالعقائد حين تتحول إلى أدوات للشرعية السياسية تصبح جزءا من صراع المصالح والهويات. وهنا بدأ التشيع في إيران يتجاوز كونه مجرد إيمان ديني ليصبح عنصرا من عناصر تعريف الدولة لنفسها وموقعها في العالم. لم يعد المذهب مجرد منظومة روحية، بل أصبح لغة سياسية تحمل معنى الهوية والاستقلال والتميّز.

في العصر الحديث عاد هذا البعد السياسي إلى الواجهة بقوة بعدالثورة الإيرانية بقيادة روح الله الخامنئي . فقد أعادت الثورة دمج الدين بالسلطة عبر نظرية “ولاية الفقيه”، وأصبحت إيران لاعبا إقليميا يحمل خطابا إديولوجيا واضحا. بالنسبة لأنصار هذا المشروع كان الأمر استعادة للسيادة والاستقلال بعد عقود من التدخلات الأجنبية، بينما رأت فيه بعض الدول المجاورة محاولة لبناء نفوذ سياسي يتجاوز الحدود. ومن هنا بدأت شبكة معقدة من التوترات الإقليمية تتشكل في الشرق الأوسط، حيث اختلطت الحسابات المذهبية بالتوازنات الجيوسياسية والتحالفات الدولية. وأصبحت العلاقة بين إيران وكل من والولايات المتحدة وإسرائيل واحدة من أكثر العلاقات توترا في النظام الدولي المعاصر، ليس فقط بسبب الاختلاف الإيديولوجي، بل أيضا بسبب ملفات الأمن الإقليمي والبرنامج النووي والعقوبات الاقتصادية.

في العمق الفلسفي لهذه المسألة يكمن سؤال أعمق من مجرد صراع سياسي: كيف تتحول الهوية الدينية إلى عامل في تشكيل خرائط القوة؟ فالميتافيزيقا السياسية تظهر أن الدول لا تتحرك فقط بدافع المصالح المادية، بل أيضًا بدافع التصورات الرمزية التي تصوغ رؤيتها للعالم. حين تعتقد دولة ما أنها تحمل رسالة تاريخية أو أخلاقية، فإن سياستها الخارجية تصبح امتدادا لذلك التصور الرمزي. وهنا تتقاطع العقيدة مع الجغرافيا، ويتحوّل التاريخ إلى عنصر فاعل في تشكيل الحاضر. لهذا تبدو إيران اليوم في نظر كثير من المراقبين كأنها تحمل مفارقة حضارية عميقة: فهي وريثة تقليد ثقافي وفلسفي عريق يمتد من الإمبراطوريات الفارسية القديمة إلى أعظم مدارس الفكر في الشرق، لكنها في الوقت نفسه تتحرك داخل شبكة صراعات إقليمية ودولية تجعل حضورها في السياسة العالمية دائم التوتر. كأن التاريخ وضع هذه الأمة بين صورتين متقابلتين: صورة الحضارة التي أنجبت الشعراء والفلاسفة والعلماء، وصورة الدولة التي تعيش في قلب صراع استراتيجي دائم.

والدرس الذي يكشفه هذا المسار التاريخي ليس إدانة فكرة بعينها ولا تمجيد فكرة أخرى، بل فهم طبيعة العلاقة المعقدة بين العقيدة والسلطة. فالحضارات لا تنهض ولا تسقط بسبب مذهب واحد أو قرار واحد، بل بسبب الطريقة التي تدار بها الأفكار عندما تتحول إلى أدوات للحكم. فالدين حين يبقى في فضاء الروح يمنح الإنسان معنى وطمأنينة، لكن حين يدخل لعبة القوة قد يصبح جزءا من شبكة صراعات لا تنتهي. وهكذا تبدو قصة إيران أشبه بمرآة كبيرة يرى فيها الشرق الأوسط تاريخه كله: طموح الإمبراطوريات، وجراح المذاهب، وتنافس القوى الكبرى، والحلم الدائم بالعدالة والكرامة. وربما لن يكون السؤال الحقيقي في المستقبل هو لماذا أصبحت إيران شيعية أو لماذا دخلت في صراعات مع جيرانها، بل سؤال أكثر عمقا: كيف تستطيع حضارة قديمة بهذا الامتداد التاريخي أن تجد طريقا جديدا يجعلها قوة للعلم والعمران بدل أن تبقى عقدة في خرائط الصراع وتشيع المتطرف؟ الحضارات العظيمة لا تقاس بقدرتها على الانتصار في الحروب، بل بقدرتها على إنتاج الحكمة بعد أن تهدأ العواصف. وعندما تنتصر الحكمة على الغضب يبدأ التاريخ صفحة جديدة، صفحة لا تكتبها الجيوش ولا ترسمها الحدود، بل  يكتبها العقل حين يتعلم من أخطاء القرون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *