ياسين زغلول يزكي ويبارك مؤتمر الأركيولوجيا

بقلم د. زكية لعروسي

ليست الحفريات مجرد عودة إلى الماضي، بل هي مغامرة في عمق الهوية. فالأرض لا تحتفظ بذكرياتها في الكتب، بل في الطبقات؛ طبقات من الصمت والضغط والزمن، تتراكم كما تتراكم تجارب البشر في أعماق الذاكرة. وكلما اقترب العلماء من حجر قديم أو عظم متحجّر، فإنهم في الحقيقة يقتربون خطوة أخرى من سؤال الإنسان الأزلي: من نحن، ومن أين جاءت هذه الحكاية الطويلة التي اسمها الحياة؟ لهذا، حين ستحتضن جامعة محمد الأول بوجدة يومي 27 و28 مارس 2026 المؤتمر الدولي الثاني للحفريات، فلن يكون الأمر مجرد موعد علمي عابر, بل ستفتح الأرض الدفاتر القديمة، وستسمح للعلماء بقراءة بعض السطور التي كتبت منذ ملايين السنين قبل أن يولد تاريخ وجدة. هي أيام… سيصبح فيها الشرق المغربي مختبرا للزمن العميق, وتتحول وجدة، المدينة التي عاشت طويلا في هامش الضوء، إلى نقطة التقاء بين الجيولوجيا و الأركيولوجيا الفيلولوجيا، بين العلم والسؤال الوجودي الكبير: ماذا تخبئ الأرض تحت أقدامنا، وماذا تخبئ أيضا داخلنا؟

المدن، مثل الأرض، لا تتكلم وحدها هي تحتاج إلى من يفتح لها الأبواب، إلى من يؤمن بأن المعرفة روح قادرة على تغيير مصير المكان. وهنا يظهر اسم الدكتور ياسين زغلول، رئيس الجامعة، بوصفه أحد أولئك القلائل الذين يفهمون أن الجامعات ليست مجرد مبان ولا هياكل إدارية، بل كائنات حية تتنفس بالأفكار. في حضوره يبدو وكأنه بستاني المعرفة؛ يهيئ التربة، ويفتح النوافذ، ويترك للبذور القادمة من كل الجهات أن تجد مكانها في أرض الجامعة. لم يكن احتضان هذا المؤتمر العلمي قرارا إداريا باردا، بل كان تعبيرا عن رؤية عميقة تؤمن بأن الأرض نفسها يمكن أن تتحول إلى نصّ علمي حين تجد المؤسسة التي تصغي إليها. وهكذا ستفتح الجامعة أبوابها للعلماء كما تفتح المدن القديمة أبوابها للقوافل القادمة من بعيد، حاملة معها أسئلة جديدة وخرائط جديدة للمعرفة.

في مناخ علمي بحث ولدت فكرة المؤتمر بمبادرة من الباحثة نزهة بودهو، التي نسجت في تجربتها العلمية علاقة خاصة مع طبقات الأرض وتاريخها. غير أن الأفكار العلمية، مهما كانت جريئة، تحتاج دائما إلى فضاء يحتضنها وإلى قيادة تؤمن بها. وهنا يتجلى الدور الحاسم للجامعة ورئيسها في تحويل فكرة بحثية إلى حدث علمي دولي يضع الشرق المغربي في قلب الحوار العلمي. الأبحاث التي ستقدَّم حول وجدة وممر تازة وسهل جرسيف والمغرب القديم لا تتوقف عند حدود الوصف الجيولوجي. إنها تفتح سؤالا أعمق: هل يمكن للعلم أن يعيد الاعتبار للمكان؟ هل يستطيع البحث العلمي أن ينصف الجغرافيا التي ظلت طويلا خارج السرديات الكبرى؟ في هذا السياق يتحول علم الحفريات إلى أكثر من تخصص علمي. يصبح نوعا من العدالة الرمزية التي تعيد للتراب صوته، وللحجر حكايته، وللمكان كرامته التاريخية.

وجدة، المدينة التي تعلّمت الصبر من حدودها والإنصات من تاريخها، تبدو هنا وكأنها ترفع طبقاتها الجيولوجية مثل كتاب حجري قديم وتقول للعالم: اقرأوني. فالأرض التي بدت صامتة طويلا تخبئ في أعماقها سردية كونية أقدم من كل الخرائط السياسية ومن كل ثنائيات المركز والهامش. ولهذا لن يكون المؤتمر مجرد تجمع علمي بين باحثين مغاربة ودوليين، بل لحظة رمزية نادرة يلتقي فيها الماضي السحيق بأسئلة المستقبل. لحظة يبدو فيها العلم في ليلة قدره, وكأنه مصباح ينزل ضوءه في كهوف الزمن. في هذا المشهد يتقدم ياسين زغلول بهدوء القادة الذين يعرفون أن الدور الحقيقي للمؤسسات ليس السيطرة على الأفكار، بل إطلاقها. فالرجل لا يقف في الواجهة بقدر ما يقف خلف الفكرة نفسها، يمنحها المساحة كي تكبر، والثقة كي تتحول إلى مشروع. وهكذا تتحول الجامعة في عهده إلى فضاء يجذب الباحثين كما تجذب الواحات القوافل في الصحراء؛ فضاء تتلاقى فيه الخبرات، وتتقاطع فيه الأسئلة، ويشعر فيه الباحث الشاب أن للمعرفة بيتاً يمكن أن ينتمي إليه.

في يومي 27-28 من مارس 2026 ستستيقظ وجدة على مشهد غير مألوف. علماء قادمون من جامعات مختلفة، خرائط جيولوجية، أحافير تحكي عن عصور غابرة، ونقاشات علمية تعيد ترتيب علاقة الإنسان بالأرض. ستبدو المدينة وكأنها ترتدي تاجاً من الأحافير، جالسة في قلب الشرق مثل ملكة حجرية استعادت فجأة ذاكرة الزمن. لكن الأثر الحقيقي لهذا الحدث لن يقف عند حدود يومين من النقاش العلمي. فالمؤتمرات الكبرى لا تصنع المعرفة فقط، بل تزرع أيضا بذورها في العقول الشابة. وهنا تكمن القيمة الأعمق لهذا المشروع العلمي. فحين تؤمن مؤسسة جامعية بالبحث، وتجد قيادة تفتح أبوابها للعلم، فإنها لا تنتج المعرفة فحسب، بل تزرع الأمل في براعم الباحثين الجدد، أولئك الذين سيحملون مشعل السؤال في السنوات القادمة.

ولهذا فإن ما سيحدث في وجدة ليس مجرد مؤتمر علمي، بل رسالة هادئة تقول إن المدن التي يساند فيها القادة العلماءَ يمكن أن تغيّر مصيرها المعرفي. وأن الجامعة التي يقف على رأسها رجل يؤمن بالبحث تتحول من مؤسسة تعليمية إلى منارة تفكر، وتلهم، وتفتح الطريق للأجيال القادمة. فبهذا الربيع ستقول وجدة للعالم شيئا بسيطا لكنه عميق: إن الأرض حين تجد من يصغي إليها تتحول إلى كتاب، وإن المدن حين تجد من يؤمن بالعلم تتحول إلى أفق. أما الجامعة التي يقودها ياسين زغلول فستبدو في تلك اللحظة كحديقة واسعة للمعرفة، تمتد فيها جذور البحث عميقا في التراب، فيما ترتفع فروع الأمل عاليا في سماء المستقبل، حيث تنمو بهدوء براعم الباحثين الجدد… وتبدأ حكايات علمية لم تكتب بعد.

One thought on “ياسين زغلول يزكي ويبارك مؤتمر الأركيولوجيا

  1. لما يتم الاحتفاء بالأرض باعتبارها تتكلم لغة الأثر، بما هي لغة صموتة، غير أن أشؤاءها تشي بشهادة المرور من ذلك ” الأين” المقدس. حيث ترقد الشيءية وهي تحفظ الذاكرة والتاريخ اللذان ينتظران الكتاب النداء بنا هو نداء حقيقة وجود شعب تاريخي. اللقية ليست شيئا اصم، إنها ذات شيءية هامسة لمن ينهمم بالنداء لكي يحرره بالكلمة وفي الكلمة، وكأنها العبق وقد انتشر على بساط الأثير. هنيئا لوجدة وأهلها بهذا النشاط. من هنا أهمية ربط البحث العلمي المنوغرافي بالتنمية على مستوى الجهات. والشكر للأستاذة لعروسي على ذلك التأمل الفلسفي المواكب لهذه التظاهرة العلمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *