بقلم زكية لعروسي
كشفت واقعة طريفة في مدينة مرسيليا الفرنسية، خلال التحضير للانتخابات البلدية، عن مفارقة تستحق التأمل أكثر مما تستحق الضحك. فقد أثار بعض المرشحين مسألة وجود عدد لافت من الناخبين الذين تجاوزت أعمارهم المئة عام في اللوائح الانتخابية، بل إن إحدى الناخبات – وفق البيانات المسجلة – قد تبلغ مائة وعشرين سنة. ولو كانت ما تزال على قيد الحياة فعلا، لكانت اليوم عميدة البشرية. لكن المسألة ليست في طول العمر، بل في طول بقاء الأسماء داخل السجلات. ففي عالم الإدارة، قد يغادر الإنسان الحياة، لكن اسمه يبقى أحيانا حيا في الأرشيف، ينتظر من يتذكر أنه يجب أن يموت مرة أخرى… إداريا هذه المرة. بطبيعة الحال، سارعت الجهات المختصة في فرنسا إلى توضيح الأمر، مشيرة إلى أن نظم تسجيل الوفيات واللوائح الانتخابية مرتبطة تقنيا، وأن ما ظهر قد يكون نتيجة تأخر إداري أو التباس في تحديث البيانات. ومع ذلك، فإن الحادثة – على طرافتها – تذكّر بحقيقة أساسية في أي نظام ديمقراطي:
نزاهة الانتخابات تبدأ قبل يوم الاقتراع بكثير، وتحديدا عند كتابة الأسماء في اللوائح. فالديمقراطية ليست مجرد صندوق شفاف، بل هي قبل ذلك قائمة شفافة. ومن هنا يبرز السؤال الذي يتجاوز مرسيليا وفرنسا إلى فضاءات أوسع: إذا كانت مثل هذه المفارقات تظهر أحيانا في دول تمتلك نظما إحصائية وإدارية متقدمة، فكيف هو الحال في بلدان أخرى حيث الأرشيف أقل صرامة والرقابة أقل انتظاما؟
لنأخذ مثالا بسيطا: اللوائح الانتخابية في المغرب هل تخضع هذه اللوائح لمراجعة دقيقة ودورية تربطها مباشرة بسجلات الحالة المدنية والوفيات؟ وهل توجد آليات رقابة مستقلة تتحقق باستمرار من دقة هذه القوائم؟ ثم السؤال الأكثر حساسية: هل يمكن أن تكون هناك أسماء بقيت في اللوائح بعد أن غادر أصحابها الحياة؟ ليس الهدف من طرح هذه الأسئلة توجيه اتهام، بل التذكير بأن الثقة في العملية الانتخابية هي رأس المال الحقيقي لأي ديمقراطية. وهذه الثقة لا تبنى فقط عبر الخطابات السياسية أو حملات المراقبة يوم التصويت، بل عبر عمل إداري هادئ ودقيق يضمن أن كل اسم في القائمة يمثل إنسانا حيا بالفعل. فحين تختلط الأسماء بالأشباح، حتى ولو كان ذلك بسبب خطأ تقني بسيط، يتحول الأمر إلى مسألة رمزية. إذ لا يمكن للديمقراطية أن تبدو مطمئنة تماما إذا كان احتمال تصويت الغائبين قائما، ولو نظريا. قد يكون السؤال الذي تطرحه حادثة مرسيليا بسيطا في شكله، لكنه عميق في معناه: هل تموت الأسماء في السجلات حين يموت أصحابها في الواقع؟ لأن الديمقراطية، في جوهرها، ليست فقط حق الأحياء في الاختيار، بل أيضا حرص المؤسسات على ألا تتكلم باسمهم… أصوات لم تعد موجودة.
