بوتين : على أي وتر تعزف روسيا؟

بقلم د. زكية لعروسي، باريس

في لحظات التحول الكبرى في التاريخ، لا تتحرك القوى العظمى بعشوائية. كل كلمة تقال، وكل رسالة ترسل، وكل تحالف يعلن، يكون في الحقيقة نغمة في سيمفونية جيوسياسية معقدة.حين أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين دعمه «غير المشروط» للمرشد الأعلى الجديد لإيران مجتبى خامنئي، لم يكن ذلك مجرد تصريح دبلوماسي عابر. بل كان إشارة عميقة إلى كيفية رؤية موسكو للعالم، وإلى الطريقة التي يقرأ بها بوتين خرائط القوة في القرن الحادي والعشرين. فروسيا، التي خرجت من رماد الاتحاد السوفياتي لتعيد بناء نفسها كقوة عالمية، لا تنظر إلى الأزمات الدولية ككوارث ينبغي تجنبها فقط، بل كساحات استراتيجية يمكن إعادة رسم التوازنات فيه

لفهم تحركات بوتين، لا يكفي تحليل الأخبار اليومية. فبوتين عقل استراتيجي يتغذى على التاريخ, لهذا يجب العودة إلى تكوينه الفكري والتاريخي. الرئيس الروسي ينتمي إلى مدرسة سياسية ترى العالم سلسلة من الصراعات الدائمة بين الإمبراطوريات. وفي هذه الرؤية، الدول القوية لا تكتفي بالدفاع عن مصالحها، بل تسعى إلى خلق مساحات نفوذ تحميها من الضغوط الخارجية. كثير من المؤرخين يشبهون أسلوبه بشخصيات تاريخية كبرى: بطرس الأكبر، القيصر الذي أعاد تشكيل روسيا كقوة أوروبية عبر الجرأة العسكرية والإصلاحات العميقة. كاترين الثانية، التي وسعت الإمبراطورية الروسية عبر الدبلوماسية الذكية و التحالفات المتغيرة. وحتى بعض ملامح أوتو فون بسمارك، مهندس التوازنات الأوروبية في القرن  التاسع عشر، تظهر في طريقة بوتين في إدارة التحالفات. لكن بوتين لا يقلد هؤلاء القادة فقط؛ بل يحاول استعادة موقع روسيا التاريخي كقطب عالمي. لكن لماذا تدعم موسكو طهران الآ

الدعم الروسي لإيران ليس مجرد تضامن سياسي. إنه جزء من معادلة استراتيجية أوسع. هناك ثلاثة أسباب رئيسية لهذا الموقف

1- كسر الهيمنة الغربية

من منظور موسكو، النظام الدولي الحالي ما زال خاضعاًلنفوذ الولايات المتحدة وحلفائها. لذلك فإن دعم إيران يمنح روسيا فرصة لتشكيل محور مقاوم للهيمنة الغربية، خاصة في الشرق الأوسط، المنطقة التي بقيت لعقود تحت التأثير الأمريكي.

2- بناء شبكة تحالفات في عالم متعدد الأقطاب

روسيا تدرك أن ميزان القوى العالمي يتغير. فإلى جانبها تقف قوى صاعدة مثل الصين، التي تؤكد هي الأخرى رفض التدخل الخارجي في الشؤون الإيرانية. في هذا السياق، تحاول موسكو بناء تحالفات مرنة مع دول تشترك معها في رفض النظام الدولي الأحادي.

3- الطاقة والجغرافيا السياسية

إيران ليست مجرد دولة في الشرق الأوسط. إنها لاعب مهم في سوق الطاقة العالمي. أي تغير في استقرارها يؤثر على: أسواق النفط, طرق التجارة والتوازنات الإقليمية. وبالنسبة لروسيا، التي تعد إحدى أكبر القوى الطاقوية في العالم، فإن الحفاظ على علاقات قوية مع طهران يمنحها ورقة استراتيجية في لعبة الطاقة العالمية. بوتين من القادة الذين لا يعتمدون على الخطاب الإعلامي، بل ممن يفضلون لعب الشطرنج على الخطابات. ينتمي بوضوح إلى الفئة التي تعتمد على الصبر الاستراتيجي الثان. فهو يتعامل مع الأزمات كما لو كانت رقعة شطرنج: لا يتحرك بسرعة ولا يكشف أوراقه مبكرا, بل يفضل المناورة الطويلة وهذا ما يفسر مواقفه في أزمات كثيرة، من ضم شبه جزيرة القرم 2014 إلى الحرب في أوكرانيا.

في كل هذه الحالات، حاول بوتين إعادة تعريف حدود النفوذ الروسي. الرسالة الروسية إلى طهران ليست مجرد دعم لحليف. إنها رسالة إلى العالم. مضمونها بسيط لكنه عميق: روسيا لن تقف متفرجة على إعادة تشكيل الشرق الأوسط دون أن يكون لها دور. وهي مستعدة لاستخدام الدبلوماسية، والطاقة، والتحالفات العسكرية للحفاظ على موقعها. بعبارة أخرى، موسكو تعزف اليوم على وتر العالم المتعدد الأقطاب.

قد تختلف أسماء القادة والأنظمة، لكن منطق القوة في السياسة الدولية نادرا ما يتغير. كما في زمن الإمبراطوريات، تحاول القوى الكبرى اليوم توسيع نفوذها وبناء تحالفاتها في عالم غير مستقر. وفي هذا المسرح المضطرب يقف فلاديمير بوتين كأحد أكثر اللاعبين دهاء في السياسة العالمية. رجل يرى التاريخ ليس كماض انتهى، بل كخريطة يمكن إعادة رسمها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *