بقلم زكية لعروسي
في زمن الحروب، لا يكفي أن تختار الدول الحياد كي تبقى خارج دائرة الخطر. فمع اندلاع الحرب في إيران واتساع رقعتها في الشرق الأوسط، وجدت فرنسا نفسها – رغم محاولاتها الحذرة لتجنب الانخراط المباشر- في مواجهة تهديدات غير مباشرة وتحديات إنسانية ودبلوماسية معقدة. قرار وزارة الخارجية الفرنسية إنشاء خلية أزمة مطلع مارس لم يكن مجرد إجراء إداري تقليدي، بل اعتراف صريح بأن الصراع الدائر تجاوز حدود الجغرافيا العسكرية ليطال المواطنين الأوروبيين المنتشرين في المنطقة. في مكاتب صغيرة في نانت وباريس، يجلس عشرات الموظفين الحكوميين لساعات طويلة خلف سماعات الهاتف، يتلقون نداءات القلق من فرنسيين عالقين بين مطارات مغلقة وطرق جوية مضطربة، أو من عائلات تنتظر بقلق عودة أبنائها. لكن خلف هذه الصورة الإنسانية، يكشف واقع جيوسياسي أكثر تعقيدا.

فرنسا تحاول منذ بداية الأزمة الحفاظ على خط دبلوماسي دقيق: الدعوة إلى التهدئة، تجنب التصعيد، وعدم الانجرار إلى محور عسكري مباشر في النزاع. غير أن الحياد في صراعات الشرق الأوسط نادرًا ما يوفر حصانة كاملة. التوترات الإقليمية غالبًا ما تتجاوز الحسابات الدبلوماسية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بدولة ذات حضور تاريخي وثقل سياسي مثل فرنسا. التهديد الذي يواجه باريس لا يأتي بالضرورة في شكل مواجهة عسكرية مباشرة، بل عبر مجموعة من المخاطر المتشابكة. أولها خطر استهداف المصالح الفرنسية في المنطقة، سواء عبر تهديد البعثات الدبلوماسية أو الشركات أو المواطنين المقيمين في دول قريبة من مسرح العمليات. وثانيها خطر ارتدادات أمنية داخل أوروبا نفسها، حيث قد تتحول أزمات الشرق الأوسط سريعًا إلى توترات داخلية أو تهديدات أمنية عابرة للحدود. أما التحدي الثالث فهو دبلوماسي بامتياز: الحفاظ على دور الوسيط المحتمل. ففرنسا، التي تسعى منذ سنوات إلى لعب دور موازن في المنطقة، تدرك أن أي انحياز واضح قد يفقدها القدرة على التأثير في مسارات التهدئة المستقبلية.
من هنا، تبدو خلية الأزمة التي تعمل بهدوء في نانت وباريس أكثر من مجرد مركز اتصال. إنها تجسيد عملي لدبلوماسية الحماية التي باتت إحدى أهم وظائف الدولة الحديثة: حماية مواطنيها في عالم تتسارع فيه الأزمات وتتداخل فيه خطوط الصراع. هذه الأزمة تكشف حقيقة أساسية في السياسة الدولية: في عالم مترابط، لا يمكن لأي دولة – مهما حاولت النأي بنفسها – أن تبقى بعيدة تماما عن تداعيات الحروب الكبرى. وفرنسا اليوم تقف على هذا الخط الرفيع بين الحذر الدبلوماسي ومسؤولية حماية مواطنيها، محاولة أن تبقى صوت العقل في منطقة تزداد اضطرابا يوما بعد يوم.
