بقلم زكية لعروسي, باريس
في كل مرة يعلو فيها صوت السلاح في العالم، يتذكر التاريخ نفسه، كشيخ عجوز يفتح دفتره القديم ويقول للبشر: لم تتغيروا كثيرا. عندما دعا الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مارك روته الصناعات العسكرية إلى “الاستعداد” وتسريع إنتاج السلاح، لم يكن يتحدث فقط عن أوكرانيا أو الشرق الأوسط. كان في الواقع يوقظ واحدة من أقدم الغرائز السياسية في الحضارة: غريزة الاستعداد للعنف قبل وقوعه. فالحرب، كما كتب الفيلسوف الألماني كارل فون كلاوزفيتز، ليست سوى استمرار السياسة بوسائل أخرى، لكن ما لا يقوله النص الفلسفي غالبا هو أن السياسة نفسها ولدت في ظل السلاح. منذ أن خرج الإنسان الأول من الكهف حاملا رمحه، لم يكن الصيد مجرد وسيلة للبقاء؛ كان تدريبا مبكرا على السلطة. فالرجل الذي يطارد الغزال في الغابة هو ذاته الذي سيتعلم لاحقا مطاردة خصومه في الحقول السياسية. وبين الصيد والحرب مسافة قصيرة جدا: كلاهما يتطلب الصبر، والكمين، وقسوة القرار في اللحظة المناسبة. ولذلك فإن دعوة الناتو اليوم إلى تسريع الإنتاج العسكري ليست مجرد خبر اقتصادي أو استراتيجي؛ إنها علامة على أن العالم يعيد ترتيب نفسه وفق منطق قديم جدا: من يملك السلاح يملك الزمن.
في أوروبا، التي حلمت طويلا بأنها تجاوزت عصر المدافع بعد الحرب العالمية الثانية، يعود القلق الآن مثل ضباب كثيف فوق المدن القديمة. فالحرب في أوكرانيا أعادت إلى القارة ذاكرة الخنادق، بينما التوترات في الشرق الأوسط تذكّر الجميع بأن التاريخ لا ينام طويلا. لكن خلف الخطابات الرسمية والبيانات العسكرية، ثمة لعبة جيوسياسية أكثر تعقيدا. فالصناعة العسكرية ليست مجرد مصانع فولاذ؛ إنها نظام عصبي كامل يربط الاقتصاد بالسياسة بالأمن. كل صاروخ ينتج هو أيضا عقد مالي، وتحالف سياسي، ورسالة ردع موجهة إلى خصم بعيد. هكذا تتحول الحروب الحديثة إلى مسارح ضخمة تتداخل فيها المصالح: المصانع في الغرب تعمل، الأسواق تتحرك، والتحالفات تتصلب. الحرب هنا ليست فقط معركة في الميدان؛ إنها أيضا اقتصاد ظل هائل يعاد بناؤه كلما اشتعلت الجبهات. وهنا يظهر التناقض الأخلاقي العميق في السياسة الدولية. فالقادة يتحدثون عن السلام بينما يطلبون تسريع إنتاج السلاح. يعلنون الدفاع عن الاستقرار بينما يوسّعون صناعات الحرب. إنها مفارقة قديمة بقدر الدولة نفسها: السلام غالبا ما يحرس بالمدافع.
الفلاسفة عرفوا هذا منذ زمن بعيد. توماس هوبز وصف العالم الطبيعي بأنه حالة صراع دائم، “حرب الجميع ضد الجميع”. أما نيتشه فذهب أبعد حين رأى أن إرادة القوة هي المحرك الخفي للتاريخ. وبين هوبز ونيتشه، تتحرك السياسة الدولية اليوم مثل لاعب شطرنج يعرف أن الرقعة لا تخلو أبدا من الصراع. ومع ذلك، فإن ما يجعل اللحظة الراهنة مختلفة هو سرعة التاريخ. فالحروب في القرن الحادي والعشرين لا تشتعل فقط في الجغرافيا؛ إنها تمتد إلى الفضاء السيبراني، والأسواق المالية، والطاقة، وسلاسل الإمداد. صاروخ يطلق في الشرق قد يحرّك البورصات في الغرب، ويعيد تشكيل التحالفات في الشمال.
لهذا السبب يتحدث قادة الناتو عن”الجاهزية”. فالجاهزية اليوم ليست مجرد مخزون ذخيرة؛ إنها قدرة حضارة كاملة على التكيّف مع عالم يزداد اضطرابا. لكن التاريخ يهمس دائما بتحذير خافت: الحضارات التي تبني قوتها فقط على السلاح قد تربح المعارك، لكنها لا تكسب الزمن. فالإنسان، مهما تطورت تقنياته، لا يزال يحمل داخله ذلك الصياد القديم. غير أن الفرق بين الصياد والحكيم هو أن الأول يبحث دائما عن فريسة، بينما الثاني يعرف متى يضع الرمح جانبا. وفي هذا التوتر بين الرمح والعقل، بين الخوف والقوة، تستمر السياسة الدولية في كتابة فصل جديد من قصتها القديمة: قصة البشر الذين حاولوا دائما تنظيم العنف… دون أن ينجحوا تماما في التخلص منه.
