بقلم زكية لعروسي, باريس
في زمن لم تعد فيه الحدود بين العام والخاص مجرد وهم، بل خرافة سقطت أمام صخب الهويات المعلنة، يطل علينا سؤال غرائبي: ماذا لو كان شريك العمر يُنتقى الآن مثل بطاقة الاقتراع؟ ماذا لو تحول “السوايب لليسار” و”الماتش لليمين” إلى مرآة لانقساماتنا السياسية؟ في استعدادات فرنسا للانتخابات البلدية 2026، لا تكتفي تطبيقات المواعدة بدور الوسيط الرومانسي، بل تغوص في خاصرة المجتمع حيث يلتقي العاطفي بالسياسي في مشهد سوسيولوجي بالغ الدقة والغرابة. من “تجنب السياسة” إلى “من دونها لا نقترب”
كان هناك زمن جميل – إن صح التعبير- كانت فيه السياسة بمثابة السم الزعاف في أول لقاء غرامي. حديث سينمائي، طموحات مهنية، حكايات طفولة، وحتى أسرار عائلية، لكن الرأي في الحكومة أو الرئيس القادم؟ كان ذلك من المحرمات. السياسة للشارع، والحب للغرفة المغلقة. اليوم، تبدو هذه الثنائية من مخلفات عصر ما قبل الرقمنة. ففي تطبيقات المواعدة، تتحول السير الذاتية إلى بيانات انتخابية مصغرة: “سر إغرائي؟ أن تكون يساريا”. بل إن الرموز التعبيرية للأعلام، وخاصة علم فلسطين، صارت بمثابة شهادة ميلاد إيديولوجية، أو بطاقة عضوية في ناد عاطفي مغلق الأرقام لا تكذب. دراسة المعهد الفرنسي للرأي العام (Ifop) عشية انتخابات 2017 الرئاسية كشفت أن 75% من الأزواج الفرنسيين ينتمون إلى “نفس الحقل السياسي”. 70% يتطابقون تماما على سلم اليسار واليمين. و62% يرفضون الارتباط بشخص من أقصى اليمين. وفي دراسة أمريكية، لم تتجاوز نسبة الأزواج من معسكرين متناحرين 8%.

الغريب أن الجديد ليس في أهمية السياسة ذاتها، بل في صراحتها. المؤسس السوسيولوجي إيميريك ماكويار جييه يرى أن التطبيقات تبيع وهما باللقاء الصدفوي العابر، بينما الواقع هو فرز دائم وممنهج.”صورة ببدلة في لا ديفانس، أو مشروب ماتشا في مقهى، أو شعار نضالي… كلها إشارات نصطادها رغما عنا”. لكن المفارقة المثيرة أن المستخدمين اليوم لم يعودوا يتركون الأمور للإيحاءات، بل يكتبونها بحروف من نور: “إذا لم توافق على هذا، فامضِ في طريقك”. هذه الصراحة ليست مجرد نزوة جيل، بل حاجة وجودية للحفاظ على تماسك الذات. فاللقاء العاطفي، كما يشرح جييه، فضاء لتماسك الهوية. من العبري أن نتصادق مع من يقفون على الطرف النقيض منا، فكيف بالحب الذي هو أقوى روابط الهوية وأكثرها خصوصية؟
لكن الغرائبية لا تتوقف عند حدود الملفات الشخصية. فالتطبيقات نفسها تتحول إلى ساحات توعية مدنية. Happn تتعاون مع منظمة “A Voté” غير الحكومية لحث المستخدمين على تسجيل أسمائهم في اللوائح الانتخابية. كلارا ميكييليني، الرئيسة المشاركة للمنظمة، تلتقط التشابه البليغ: “تطبيق المواعدة هو أصلا خطوة نحو الآخر، رغبة في الحديث والنقاش وبناء شيء معا. هناك تشابه كبير بين التطبيق والحياة الديمقراطية”. بل الأكثر دهشة، أن الانتخابات البلدية تصبح فجأة ذات صلة مباشرة بالعلاقة العاطفية. تقول ميكييليني بعينين ثاقبتين: “إذا تمت الماتش ونجحت العلاقة، فستبحثان عن سكن، وهذه البلدية. ستمارسان أنشطة ثقافية، وهذه البلدية. إذا تزوجتما، فسيتم ذلك أمام العمدة. قصة الحب كلها يمكن أن تحكى على نطاق بلدية واحدة”. فهل نحن أمام قطيعة أم استمرارية؟
ما يحدث ليس مجرد موضة عابرة، بل تحول أنثروبولوجي عميق. فالتنشئة السياسية لم تعد حكرا على الأسرة والمدرسة، بل تغلغلت في الفضاءات الرقمية الأكثر خصوصية. التطبيقات تطلب منا تمرينا سيرذاتيا يوميا: “اشرح من أنت”. وفي زمن الاستقطاب، شرح من أنت يعني بالضرورة شرح ماذا تؤمن سياسيا. السؤال الذي يبقى مفتوحا: هل نحن أمام تحرر من وصاية الصدفة، أم أمام حبس للذات في أقفاص إديولوجية تمنعنا من اكتشاف الآخر في ما وراء الشعارات؟ هل تطبيقات المواعدة تقربنا فعلا ممن يشبهوننا، أم تحرمنا من متعة الاختلاف الذي كان- يوما ما- وقودا للحب الحقيقي؟ في النهاية، تبقى الماتش مجرد بداية. لكن في زمن الاستقطاب، حتى البدايات باتت تخضع لفحص الهوية قبل نبض القلب.
