في الموزال بفرنسا: خمسون خروفا ماتوا جوعا

بقلم زكية لعروسي، باريس

لو كان أبو عثمان الجاحظ حيا في زماننا، لربما أضاف إلى كتابه الشهير “البخلاء” فصلا جديدا سماه: بخل الرعاة بالخراف. ذلك أن الناس قد عرف عنهم البخل بالدراهم، وبالطعام، وبالضيافة، لكن أن يبخل المرء حتى على القطيع الذي يعيش من خيره، فهذه مرتبة من البخل لم يبلغها الأولون إلا نادرا. وقد بلغنا – يا كرام – خبر رجل من أهل الريف في بلاد الفرنجة، كانت له خراف كثيرة، فأمسكها في حظيرة واسعة كما يمسك التاجر سلعته في المخزن. غير أن التاجر العاقل يعتني ببضاعته، لأن الربح منها، أما صاحبنا فقد عامل خرافه معاملة البخيل الذي يكره أن ينقص من ماله شيء، حتى لو نقص المال نفسه من الإهمال. فلما دخل الناس إلى الحظيرة وجدوا منظرًا لو رآه شاعر لكتب فيه مرثية، ولو رآه فيلسوف لكتب فيه حكمة، ولو رآه الجاحظ لابتسم ابتسامة العارف بطبائع البشر. خراف ميتة متراكمة، وأخرى هزيلة كأنها خرجت من كتاب في الزهد لا من مزرعة في أوروبا الحديثة.

وقد قال الحكماء إن الحيوان لا يعرف البخل، لأنه يأكل إذا جاع، ويشرب إذا عطش، وينام إذا تعب. أما الإنسان، فإنه قد يجوع نفسه ويجوّع غيره وهو يحسب أنه يحسن التدبير. ولولا هذا الخلط العجيب بين الاقتصاد والبخل، لما ظهرت مثل هذه الحكايات. والعجب أن الخراف – على ما فيها من سذاجة – كانت أكثر عقلًا من صاحبها. فهي لو وجدت المرعى أكلت، ولو وجدت الماء شربت، ولا تجمع من العشب أكثر مما تحتاج إليه. أما الإنسان، فقد يجمع المال كما تجمع النملة الحبوب، لكنه لا يعرف متى ينفقه ولا على من ينفقه.

وقد رأينا في كتب الأخبار أن بعض البخلاء كان إذا ذبح شاةً أكل منها أيامًا، حتى قال أحدهم: “لو كان في الشاة عظم يؤكل لأكلته”. لكن صاحب هذه القصة جاوزهم جميعا؛ إذ لم يأكل الشاة ولم يطعمها، بل تركها بين الحياة والموت حتى غلبها الضعف. وهنا يظهر الفرق بين الفقر والبخل. فالفقر عذر، والبخل اختيار. الفقير قد يعجز عن إطعام الحيوان، لكنه لا يعجز عن الرحمة به. أما البخيل، فإنه يملك ولا يعطي، ويرى ولا يتحرك، ويظن أن الإمساك فضيلة. وقد قال الجاحظ مرة إن البخيل “يحسب أن المال إذا خرج من يده ضاع، ولا يعلم أن المال إن لم ينفق ضاع صاحبه”. ولو نظرنا في هذه الحكاية لوجدنا أن الخراف لم تكن وحدها الضحية، بل صاحبها أيضًا؛ لأنه كشف للناس نوعًا من البخل يجعل المرء يخسر سمعته قبل أن يخسر ماله.

وما أكثر ما تكشف الحوادث الصغيرة عن أخلاق كبيرة. فالمجتمع الذي يقيس حضارته بالطرق والمصانع، قد ينسى أن الرحمة بالحيوان جزء من هذه الحضارة نفسها. فالحضارة ليست في وفرة الإنتاج فقط، بل في طريقة التعامل مع الضعيف، سواء كان إنسانًا أو حيوانًا. ولعل الخراف – لو كان لها لسان فصيح كلسان الجاحظ – لقالت في ختام هذه القصة: إن الإنسان مخلوق عجيب؛ يكتب القوانين لحماية الحيوان، ثم ينسى أحيانًا أن أول قانون في هذا الباب هو الرحمة. وهكذا تبقى الحكاية، رغم طرافتها السوداء، درسا بسيطا: ليس كل من ملك قطيعا صار راعيا، كما أن ليس كل من جمع مالًا صار كريما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *