تمييع السياسة أم تمييع الخطاب؟

بقلم زكية لعروسي, باريس

حين تتحدث السيدة فاطمة الزهراء المنصوري عن «تمييع السياسة» في المغرب، فإنها تلامس جرحا قديما أكثر مما تكتشف حقيقة جديدة. فهذه الكلمة، على ما فيها من قوة لغوية ووقع رمزي، تبدو أقرب إلى تشخيص متأخر لمرض يعرفه المغاربة منذ سنوات طويلة، وربما منذ عقود. السياسة في المغرب لم تُتهم بالتمييع اليوم فقط؛ بل عاشت، في مراحل مختلفة، حالة من التذبذب بين الطموح الإصلاحي والبراغماتية الانتخابية، بين الخطاب الاجتماعي الواسع والنتائج المحدودة في حياة المواطنين اليومية. ومن هنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: هل تميعت السياسة؟ بل: متى لم تكن كذلك؟ كلمة ثقيلة… لكن هل تكفي؟

العبارة التي استعملتها المنصوري تحمل شحنة نقدية واضحة. فهي تعني ضمنا أن السياسة فقدت معناها الأصلي: خدمة المجتمع. غير أن هذه الملاحظة، على صحتها، ليست جديدة في النقاش العمومي المغربي. ففي كل موسم انتخابي تقريبا، تعود نفس المفردات إلى التداول: الإصلاح، الثقة، القرب من المواطن، إعادة الاعتبار للسياسة. لكن المشكلة أن هذه المفردات نفسها أصبحت، مع الزمن، جزءا من اللغة السياسية المألوفة التي يسمعها المواطن كثيرا ولا يلمس أثرها دائما في الواقع. وهنا يكمن التناقض الذي يشعر به الشباب المغربي خصوصا: ليس في نقص الخطاب، بل في فيض الخطابات.

في السياسة، الكلمات ليست بريئة. فهي قد تكون أداة للتعبئة، وقد تتحول أحيانا إلى غطاء لغوي لفراغ عملي. حين يقول السياسي إن السياسة «تميعت»، فهو يلمّح إلى أزمة قيم وممارسة. لكن المواطن قد يتساءل بدوره: أليست الأحزاب نفسها جزءا من هذا المسار؟ فالأزمة في نظر كثيرين ليست فقط في ضعف المشاركة السياسية أو عزوف الشباب، بل في الفجوة التي تتسع بين الوعود الانتخابية والنتائج بعد الانتخابات. المشكلة ليست في العضلات اللغوية التي تستعرض في الخطب والندوات، بل  في القدرة على تشمير السواعد بعد انتهاء الحملات.

جيل اليوم لا يرفض السياسة بالضرورة، لكنه يرفض الشكل الذي تمارس به أحيانا.الشباب المغربي يعيش في عالم مفتوح، يقارن، يراقب، ويبحث عن معنى حقيقي للمشاركة السياسية. ولذلك فإن الدعوات إلى التسجيل في اللوائح الانتخابية، رغم أهميتها، لن تكون كافية وحدها لإعادة الثقة. الثقة لا تُبنى بالنداءات فقط. بل تبنى بثلاثة عناصر أساسية:

المصداقية: أن يرى المواطن انسجاما بين القول والفعل

النتائج الملموسة أن يشعر بتغير حقيقي في حياته اليومية

المحاسبة السياسية: أن يدرك أن المسؤولية ليست شعارا بل ممارسة

حديث المنصوري جاء في سياق نقاش حول المنظومة الصحية. وهذا المجال بالذات يمثل اختبارا حقيقيا لأي خطاب سياسي. فالصحة ليست موضوعا نظريا. هي تجربة يومية يعيشها المواطن في المستشفى، في طابور الانتظار، في البحث عن طبيب أو دواء. ولهذا فإن أي إصلاح في هذا القطاع لا يقاس بالبرامج فقط، بل بمدى شعور المواطن بكرامته داخل النظام الصحي. قد يكون من السهل الاعتراف بأن السياسة فقدت شيئا من معناها. لكن التحدي الأكبر هو إعادة هذا المعنى. وهنا تصبح مسؤولية الأحزاب مضاعفة، خصوصا تلك المشاركة في الحكومة. لأن النقد، مهما كان صريحاً، يفقد جزءا من قوته حين يصدر من داخل المؤسسات نفسها التي يفترض أنها تمتلك أدوات التغيير.

المغاربة لا يرفضون السياسة، بل يريدون أن يصدقوها. يريدون أن يثقوا في أن الانتخابات ليست مجرد محطة عابرة، وأن البرامج ليست مجرد نصوص جميلة، وأن الوعود ليست مجرد كلمات تتبخر بعد إعلان  النتائج.الطريق إلى استعادة هذه الثقة ليس مستحيلا. لكنه يتطلب شيئا بسيطا وصعبا في الوقت نفسه: أن تصبح السياسة ممارسة يومية لخدمة المواطن، لا مجرد خطاب موسمي. وعندها فقط، لن نحتاج إلى الحديث عن «تمييع السياسة». لأن السياسة نفسها ستكون قد استعادت معناها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *