بقلم الصحافي والإعلامي حيمري البشير، كوبنهاكن-الدانمارك
في صيف عام 2025، وجدت فرنسا نفسها في قلب نقاش سياسي وفكري حاد بعد صدور تقرير مشترك أعدّته الحكومة الفرنسية وأجهزة الاستخبارات حول نشاط جماعة الإخوان المسلمين داخل البلاد. التقرير، الذي كشف عنه في شهر غشت، لم يركز على تهديد أمني مباشر أو أعمال عنف، بل على ما وصفه بـ”النفوذ الأيديولوجي طويل الأمد” الذي قد يؤثر في التماسك الاجتماعي للجمهورية. بحسب خلاصات التقرير، فإن التحدي الذي تطرحه جماعة الإخوان المسلمين لا يتمثل في عمليات عنف أو محاولات انقلابية، بل في استراتيجية توصف بأنها أكثر تعقيدا واستدامة: التأثير التدريجي داخل المجتمع. ويرى معدّو التقرير أن هذه الاستراتيجية تعتمد على بناء شبكة واسعة من المؤسسات الاجتماعية والدينية والثقافية التي تعمل على نشر رؤية أيديولوجية تصنَّف ضمن ما يسمى بـ”الإسلام السياسي”. ويؤكد التقرير أن هذا النفوذ قد يمسّ في المدى البعيد قيم الجمهورية الفرنسية، خصوصا مبدأ العلمانية والاندماج الاجتماعي.
يشير التقرير إلى أن جماعة الإخوان المسلمين تعتمد ما وصفه بـ”استراتيجية التغلغل”، وهي عملية طويلة الأمد تهدف إلى التأثير في المجتمع من الداخل. وتقوم هذه المقاربة على تأسيس أو دعم مؤسسات متنوعة، مثل المساجد والمدارس والجمعيات الثقافية والشبابية، إضافة إلى منصات إعلامية رقمية. الهدف، وفق التقرير، ليس إثارة صدام مباشر مع الدولة، بل خلق حضور فكري وتنظيمي داخل الحياة اليومية للمجتمع الفرنسي، بما يسمح بترسيخ نفوذ أيديولوجي تدريجي. ومن بين النقاط الأكثر إثارة للجدل في التقرير، الإشارة إلى أن منظمة “مسلمو فرنسا” – التي كانت تعرف سابقا باسم اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا- تعتبر بحسب التحليل الاستخباراتي أحد أبرز الهياكل المرتبطة فكريا بتنظيم الإخوان المسلمين في البلاد.

ويشير التقرير إلى صلات محتملة لهذه الشبكة بحوالي 139 مسجدا إضافة إلى 68 موقعا ومؤسسة أخرى يقال إنها مرتبطة أو قريبة من هذه البنية التنظيمية، فضلا عن حضورها في مجالات اجتماعية وتعليمية متعددة. أربعة مجالات رئيسية للتأثير حدّد التقرير أربعة مجالات يُعتقد أن الجماعة تسعى إلى تعزيز نفوذها فيها:
– المؤسسات الدينية من خلال إدارة المساجد والأنشطة الدعوية
– قطاع التعليم عبر المدارس أو البرامج التربوية المرتبطة بالجمعيات
– الإعلام الرقمي من خلال منصات التواصل والمحتوى الديني
– المجتمع المدني المحلي عبر الجمعيات الثقافية والشبابية والخيرية
ويرى التقرير أن هذه المجالات تشكّل نقاط تماس مباشرة مع الحياة اليومية للمواطنين، ما يمنحها قدرة على التأثير الاجتماعي والثقافي. ورغم حدة الاستنتاجات، يوضح التقرير نقطة أساسية: لا توجد أدلة على وجود خطة حالية للعنف أو محاولة لفرض الشريعة بالقوة في فرنسا. بدلاً من ذلك، يُصنَّف التهديد باعتباره بنيويًا وأيديولوجيًا، أي مرتبطًا بالتأثير الفكري والتغلغل المؤسسي وليس بالعمل المسلح. أثار نشر التقرير ردود فعل قوية داخل الساحة السياسية الفرنسية. فقد اعتبرت الحكومة، بقيادة الرئيس إيمانويل ماكرون، أن الوثيقة تستحق الدراسة الجادة، ودعت إلى تعزيز السياسات الرامية إلى حماية قيم الجمهورية ومواجهة أشكال التطرف الأيديولوجي.
في المقابل، انتقدت عدة منظمات إسلامية التقرير بشدة، معتبرة أنه قد يساهم في ترسيخ الشكوك تجاه المسلمين في فرنسا. وأعربت هذه الجهات عن قلقها من استخدام مصطلحات مثل “الإسلام السياسي” دون تعريف دقيق، وهو ما قد يؤدي – بحسب رأيها – إلى الخلط بين النشاط الديني المشروع والأنشطة السياسية. لم يقتصر النقاش على فرنسا وحدها؛ فقد أثار التقرير اهتماما واسعا في عدد من الدول الأوروبية التي تواجه بدورها أسئلة مشابهة حول العلاقة بين الدين والسياسة، وحدود حرية التنظيم الديني في المجتمعات الديمقراطية. وبين من يرى في التقرير تحذيرا ضروريا من نفوذ أيديولوجي طويل الأمد، ومن يعتبره مبالغة قد تغذي مناخ الشك والارتياب، يبقى الجدل مفتوحًا حول كيفية التوفيق بين حماية قيم الدولة العلمانية وضمان الحريات الدينية.
، يعكس التقرير معضلة أعمق تواجه المجتمعات الأوروبية اليوم: كيف يمكن للدولة أن تتعامل مع الحركات الإيديولوجية المنظمة دون المساس بالمبادئ الديمقراطية التي تقوم عليها؟ الإجابة، كما يبدو من النقاش الدائر في فرنسا، لن تكون سهلة أو سريعة. لكن المؤكد أن هذا التقرير أعاد فتح ملف حساس سيظل في صلب النقاش السياسي والفكري في السنوات القادمة.
