ترامب : حين تتحول الجيوسياسة إلى مسرح أسطوري

بقلم زكية لعروسي, باريس

في الأزمنة القديمة، كان المؤرخون يكتبون عن الحروب بوصفها صراعا بين جيوش وإمبراطوريات. أما اليوم، فنحن أمام مشهد أكثر غرابة: حرب تدار بالصواريخ والطائرات المسيّرة، لكنها تروى في الوقت نفسه بلغة الاستعراض السياسي والشخصيات التي تبدو أحيانا وكأنها خرجت من الأساطير أكثر مما خرجت من كتب العلاقات الدولية. الحرب التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، ليست مجرد مواجهة عسكرية في الشرق الأوسط. إنها لحظة كاشفة لطبيعة السياسة العالمية في القرن الحادي والعشرين، حيث تختلط الاستراتيجية العسكرية بعلم النفس السياسي، والاقتصاد العالمي بمسرح الإعلام. وفي قلب هذا المشهد يقف دونالد ترامب، شخصية سياسية يصعب فهمها بالأدوات التقليدية لتحليل القادة.

في التاريخ السياسي، كان القادة يُقارنون بأباطرة أو جنرالات.  نابليون كان عبقريا عسكريا، وتشرشل خطيبا تاريخيا، وديغول رجل دولة بارد الحسابات. لكن ترامب ينتمي إلى نوع آخر من الشخصيات. إنه أقرب إلى شخصية أسطورية في عصر الإعلام. يتحدث عن الحرب بلغة قاطعة: “لقد دمّرنا تقريبا كل شيء في إيران”. هذه الجملة ليست مجرد تصريح عسكري؛ إنها تعبير عن أسلوب سياسي يقوم على المبالغة الرمزية، حيث تتحول السياسة إلى خطاب قوة مطلق، حتى قبل أن يحسم التاريخ نتائجه الفعلية.

في علم النفس السياسي، هناك نمط من القادة يفضلون الظهور كفاعلين حاسمين في التاريخ، لا كمديرين حذرين للأزمات. ترامب يجسد هذا النموذج بوضوح: قائد يريد أن يظهر كمن يفرض إيقاع الأحداث بدل أن يتكيف معها. لكن خلف الخطابات النارية تقف حقيقة أكثر صلابة: الجغرافيا. إغلاق أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز ليس مجرد تفصيل عسكري، بل نقطة ارتكاز للاقتصاد العالمي. فجزء كبير من النفط الذي يغذي الصناعة العالمية يمر عبر هذا الممر الضيق بين إيران وسلطنة عمان. لهذا السبب، عندما تتعطل الملاحة هناك، لا تتأثر المنطقة وحدها. ترتفع أسعار الطاقة في أوروبا، تتوتر الأسواق في آسيا، وتعيد الشركات العالمية حساباتها في كل مكان. هنا يظهر الفرق بين لغة الحرب ولغة الاقتصاد. السياسي قد يتحدث عن تدمير الخصم، لكن الأسواق تسأل سؤالا أبسط وأكثر براغماتية: هل ستصل السفن إلى موانئها أم لا؟

إحدى المفارقات الكبرى في التاريخ المعاصر أن الحروب لم تعد تخاض فقط لتحقيق انتصار عسكري. أحيانا تصبح الحرب نفسها أداة لإعادة تشكيل المشهد السياسي الدولي. الضربة العسكرية، في هذا السياق، ليست فقط رسالة إلى الخصم، بل أيضًا رسالة إلى الحلفاء والخصوم المحتملين في آن واحد. عندما يقول ترامب إنه ربما “أجبر إسرائيل على التحرك”، فهو لا يخاطب طهران فقط، بل يوجه أيضا خطابا إلى الداخل الأمريكي وإلى النظام الدولي: الولايات المتحدة ما زالت قادرة على فرض المبادرة. لكن لفهم هذه اللحظة، لا يكفي تحليل الاستراتيجية العسكرية أو الاقتصادية. يجب أيضًا فهم الجانب النفسي للقيادة السياسية. ترامب يمثل نوعا من الزعامة التي تشكلت في عصر الإعلام الرقمي، حيث تصبح الشخصية نفسها جزءًا من الحدث. تصريحاته، أسلوبه المباشر، وحتى مبالغاته أحيانا، كلها أدوات في بناء صورة الزعيم القادر على كسر القواعد التقليدية. هذه ليست مجرد شخصية سياسية؛ إنها ظاهرة ثقافية. في زمن الشبكات الاجتماعية، لا ينتشر التحليل الهادئ بقدر ما ينتشر التصريح الصادم. ولهذا تبدو السياسة أحيانًا وكأنها تتحول إلى سلسلة من اللحظات المسرحية المتتابعة.

لكن خلف هذا المشهد الصاخب تكمن مفارقة عميقة. كلما أصبحت الخطابات السياسية أكثر حدة، أصبحت المصالح الاقتصادية أكثر ترابطا. العالم اليوم متشابك بطريقة غير مسبوقة. النفط الذي يمر عبر مضيق هرمز قد يغذي مصانع في آسيا، أو محطات كهرباء في أوروبا، أو سيارات في أميركا. لهذا السبب، حتى أقسى الحروب في عصرنا تبقى محكومة بحدود غير مرئية: حدود الاقتصاد العالمي. الحرب مع إيران تكشف أننا دخلنا عصرا جديدا من الصراعات. حروب قصيرة الإيقاع، عالية الرمزية، يتداخل فيها العسكري بالاقتصادي والنفسي والإعلامي. وفي هذا المسرح العالمي تظهر شخصيات مثل ترامب، قادة يصعب تصنيفهم ضمن النماذج الكلاسيكية للتاريخ السياسي. إنهم نتاج عصر مختلف، عصر تتحول فيه السياسة إلى عرض عالمي تشاهده مليارات العيون في اللحظة نفسها. ربما سيحتاج المؤرخون في المستقبل إلى أدوات جديدة لفهم هذه المرحلة. فالشخصيات التي تقود العالم اليوم تبدو أحيانا وكأنها خرجت من أساطير لم ندرسها بعد. أساطير لا تروى حول آلهة أو أبطال قدامى، بل حول قادة يعيشون تحت أضواء الشاشات، ويصنعون قرارات قد تغيّر مصير العالم بأكمله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *