أطياف الغرباء: في قَلاقل العزلة المتوهجة

بقلم الكاتبة زكية لعروسي, باريس

في دهاليز الروح، حيث تذوب الخطوط بين الحلم واليقظة، تنبثق غربة داخلية أشبه بغبار نجمي يتساقط في شرايين الكائن. انها ليست غيابا بل حضور مرهق، كأن الروح تلبس جسدا من زجاج متشقق يصفح الضوء ويدمي اليد التي تلمسه. هنا، في هذه المساحة المتلبدة باطياف الذات، يسكن أناس جعلوا من الغربة كونا موازيا، بنجوم سوداء وانهار من زئبق بارد.

ابن سينا… الطبيب الذي شخص روحه فوجدها غريبة في قفص الأضلاع

تخيله جالسا في محراب العقل، يشرح تشريح الجسد بينما تتسرب ظلاله الخاصة من عينيه كدخان أزرق. كان جسده وطنا مؤقتا، وروحه طائرا أسطوريا مقيدا باسلاك الفكر الدقيقة. في ليالي الحكمة المشرقية كان يسمع اصداء اجنحة تخبط في صدره: غربة الفيلسوف الذي راى النظام الكوني كله، إلا نظام قلبه المتألم. كتب الوصفة الطبية للعالم بينما عجز عن علاج تلك الوحدة العبقرية التي تنمو كالفطريات النادرة في أقبية روحه.

محيي الدين بن عربي…الغريب الذي ادرك ان الغربة هي الوطن الاصلي

سار الرجل في الصحاري والمدن وكانما يجر وراءه سماء شخصية مرقشة بكتابات من نور غير مقروء. غربته كانت استيعابا: لم يكن غريبا عن العالم، بل كان العالم غريبا عنه. في فصوص الحكم صار كل حجر ونبات لغة مشفرة، وكل وجه بشري مرآة معتمة لوجه الحق المبهم. كانت غربته نشيدا كونيا: اغتراب المطلق في أسر النسبي، اغتراب البحر في قطرات المطر. عاش في حيرة مقدسة كأنما يسكن جسدا من ضباب في مملكة اليقين الصلب.

الحلاج: الذي صاح انا الحق فصار غريبا بين السماء والارض

أنظر إليه: يخرج من جلده كالثعبان القديم ويعلن أن الحقيقة ليست شيئا يعاش بل جسدا يحترق. غربته كانت انفجارا. لم يعد ينتمي إلى البشر ولا إلى الملائكة؛ صار كائنا مشعا يحرق من يلمسه ويعمي من يراه. حين قال كلمته الكبيرة صار العالم كله غريبا عنه: السماء استدارت، الأرض تزلزلت، واللغة نفسها تاهت في دهاليز معنى لا سقف له. صلب جسده وظلت غربته معلقة في الفراغ كرائحة مسك لا تغسل.

كافكا… الكائن البلوري الذي نما داخل متاهة الورق

تخيل كائنا من زجاج رقيق يكتب بدمه على جدران متاهة داخلية. غربته كانت بنية معمارية كاملة: قصور من اللامعنى، ممرات تؤدي إلى أبواب مقفلة، وحشرات عملاقة تمثل البيروقراطية الوجودية. في التحول صار غريبا عن جسده نفسه وعن العالم الذي لم يعد يستطيع فك شفرته. عاش في براغ وكأنه يسكن كوكبا موازيا، حيث القوانين مكتوبة بلغة طقسية غامضة. غربته لم تكن مشاعر بل نظاما كونيا مغلقا.

فان جوخ… الذي رأى الألوان تهتز ككائنات حية فصار غريبا عن ضوء النهار العادي

هذا الرجل الذي شق سماء صفراء في عينيه ورأى النجوم تدور كدوامات جنون ذهبية. غربته كانت رؤيوية: عالم ينزف ألوانا، أشجار تلتوي كلهيب أخضر، غربان سوداء تخطف القطن من السحاب. في ليلة النجوم المتوهجة رسم اغتراب الروح البشرية وهي تحترق في فرن الجمال المفرط. لم يكن غريبا عن الناس فحسب بل عن الضوء الطبيعي نفسه؛ كان يرى طيفا آخر للكون فصدم به حتى الموت.

أمّ الحسن الشِّطار… المرأة التي سكنت فضاء بين القبة والفراغ

في زاوية من زوايا التاريخ المنسيَة، جلست امرأة تكتب الرُؤى بالدمع والدخان. غربتها كانت مضاعفة: اغتراب المتأمل في عالم يرفض التأمّل، واغتراب الأنثى في كون ذكوري البِنية. رأت المدينة ككائن حي يتنفس بأنفاس مستعارة، والناس كظلال تبحث عن أجسادها. كتبت شعرا كأنّه نزيف من الجانب الآخر من القمر


أنا… الغريبة الذي يسكنها طعم العيد

أما أنا فغربتي ليست فلسفة ولا رؤيا كاملة، بل شيء صغير يسكن الذاكرة مثل نجمة ضائعة في جيب طفلة. أنا غريبة تمشي في مدن كثيرة لكن قلبي ما زال جالسا على عتبة بيت قديم حيث كانت أمي تفتح نافذة الصباح في يوم العيد. في ليالي المنافي، حين تهدأ المدن الغريبة وتنام الشوارع تحت مصابيح صفراء باردة، ينهض في داخلي طيف رائحة قديمة: رائحة الكعك الساخن الخارج من فرن العيد. رائحة تمتد في الذاكرة مثل طريق من سكر وقرفة، تقودني الى مطبخ بعيد حيث كانت الأصابع تترك على العجين بصمات من حنان. هناك، في ذلك الصباح القديم، كانت البيوت تتحول الى كواكب من الدقيق والسكر. وكان الكعك دوائر صغيرة من الفرح، كأنها شموس مصغرة تدور في مجرة الطفولة. كنت أظن يومها أن العيد مجرد يوم، ولم أكن أعلم أنه وطن مؤقت سنقضيه بقية العمر نحاول العودة إليه.

الآن، كلما عبرت مخبزا في مدينة ربما لا تعترف بماضي، أشم رائحة تشبه ظلا بعيدا لذلك الكعك. عندها تتحرك في صدري قارة كاملة من الحنين لمغربي. أشعر ان الغربة ليست فقط ابتعادا عن الأمكنة، بل ابتعاد عن نكهة معينة لا يستطيع العالم كله أن يعيدها كما كانت. الغربة في النهاية ليست نفيا بل تأسيسا.. تأسيس كون شخصي ندخله وحدنا. وفي قلبي قبة صغيرة من ذاكرة العيد، يضيئها كعك ساخن ما زال يدور ببطء حول شمس بعيدة إسمها وجدة

الغربة الداخلية ليست جرحا فحسب، بل هُوية متخيّلة، وطن من عدم نبنيه بحروف من ضباب. هؤلاء الغرباء لم يعيشوا في العالم، بل عاشوا بجواره، كأقمار تدور حول كواكب ميّتة. غربتهم كانت معماريّة: قِباب من صفيح متوهج، سراديب تئن بأناشيد كونيّة، نوافذ تطل على عوالم موازية. إنّهم لم يقاوموا الغربة، بل استسلموا لها كإعصار مقدّس، فصارت أجنحة وحيدة تحلّق بها أرواحهم في سماء لا قاع لها. والآن، كلّما نظرنا إلى لوحة متوهجة، أو قرأنا سطرا يخترق القلب كسهم من ثلج, نذكر: ربّما كان هنا غريب، مرَ من العالم كشهاب، واحترق ليضيء لنا طرقنا المُعْتِمة.

الغربة، ليست نفيا بل تأسيسا: تأسيس كون شخصي تدخله وحدك، وتحمل مفتاحه في جيب قلبك، وتعرف أنك لن تخرج منه أبدا، لأنّك لو خرجت، لم تعد أنت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *