بقلم زكية لعروسي، باريس
ليس سهلا أن تكتب عن حيوان يزن ستين كيلوغراما، له عيون وأذنان وفم في أعلى رأسه، ويقضي نصف حياته مغمورا حتى النخاع. لكن الكابيبارا ليس حيوانا عاديا. إنه فيلسوف الماء، راهب المستنقعات، وحش الرطوبة الذي علم نفسه كيف يختفي تحت السطح لخمس دقائق كاملة، بينما العالم من فوقه يلهث، يتشاجر، يحترق، يغرق ببطء. لأن هذا هو الخبر: الكابيبارا يستطيع البقاء مغمورا خمس دقائق. لكن البشر – نحن – أبطال اليابسة، أسياد الإسمنت، سادة الصحاري المكيفة، لا نستطيع البقاء تحت الماء أكثر من دقيقة قبل أن تتمزق رئاتنا كالأكياس الورقية. السؤال الذي يطحن الروح: من منا سيعيش عندما تغطيه المياه؟
ابن خلدون، الفيلسوف العربي العظيم، لم ير الكابيبارا قط. لو رآه لقال: “هذا هو الشاهد على مقولتي.” ماذا قال ابن خلدون؟ قال إن الحضارات تولد في اليابسة القاحلة، وتزدهر على الأنهار، ثم تموت غرقا في بحار رخائها. الماء ليس حياة فقط. الماء هو القبر الأبدي. كل حضارة تنتهي بأن تغرق في مياهها الخاصة: مياه الفساد، مياه الترف، مياه النسيان. نحن الآن، في 2026، نرى العالم يغرق حرفيا ومجازيا. الأنهار تبتلع القرى. الأمطار لا تتوقف. البحار ترتفع كالحلم المريع. وكلما زاد الماء، ظننا أننا سننجو بالقوارب. لكن الكابيبارا يعرف سرا: النجاة لا تكون بالسير على الماء، بل بالاختفاء تحته.
تأمل, قارئي العزيز, هذه المعجزة التشريحية: عينان، أذنان، فتحتا أنف…كلّها مصطفة على خط واحد في قمة الرأس. عندما يغوص الكابيبارا في نهر الأمازون، أو مستنقعات بنتانال، أو أي بركة موحلة، يبقى هذا الشريط الحسي فوق الماء كمنظار غواصة. الجسد كله – الستون كيلوغراما من اللحم، والعظم، والفراء الخشن – يختفي في الظلمة المائية. فقط ثلاث فتحات صغيرة تشم الهواء، ترى النور، تسمع أصوات الطيور الجائعة. هذا ليس تشريحا فقط. هذه فلسفة وجودية: اختفِ لكي ترى. السياسيون يصرخون على المنصات. النشطاء يركضون في الشوارع. أنت تتصفح هاتفك وتشعر بالاختناق. كلنا فوق السطح، نلهث، نصرخ، نلوح بأيدينا. لكن الكابيبارا فعل العكس: غطس في الوحل، وأبقى عينيه فقط كمنظارين صغيرين، يراقب العالم وهو يستعد للمعركة.

في روايات دوستويفسكي، أبطاله يعانون من الإفراط في الوعي. يعرفون الشر مليا، يرونه في كل زاوية، فلا يستطيعون التصرف. الكابيبارا يعاني من الوعي العكسي: يعرف أن العالم فوضى، فيختفي تحتها. لنتحدث عن الرقم: خمس دقائق. ثلاثمائة ثانية. ستة آلاف ضربة قلب تحت الضغط. كيف يفعلها؟ السر ليس في رئتيه فقط. السر أنه يبطئ قلبه من 60 نبضة إلى 30. يدخل في حالة أشبه بالغيبوبة الواعية. دمه يعاد توزيعه: بعيدا عن الأطراف، نحو الدماغ والقلب. لا شيء يحترق. كل شيء يهدأ. يتذكر أنه ابن الماء، وأن أباه الأكبر كان يعوم في محيطات عصر الإيوسين قبل أن تكون اليابسة. البشر لا يفعلون هذا. عندما تغمرنا المياه، نصرخ، نرفرف كالفراشات المحترقة، نستهلك الأكسجين بشراهة. نموت في دقيقتين. ليس لأن رئاتنا أصغر. بل لأننا رفضنا أن نتعلم الصمت.
دوستويفسكي كتب عن “الرجل الجوفي”، الذي أُدخل السجن وأُهين وحُرم من كل شيء، فاكتشف أن الحرية الحقيقية تكمن في الداخل. الكابيبارا هو “الحيوان الجوفي”: عندما يختفي تحت الماء، يحتفظ بكل سلطته الداخلية. الماء ليس سجنا. الماء هو الرحم الأصلي. فهل نحن مستعدون لتعلم هذا؟ لأن الماء قادم. ليس غدا. ليس بعد مئة عام. الأقمار الصناعية تقول إن فينيسيا ستختفي بحلول 2050. أجزاء من مومباي، شنغهاي، ميامي، الإسكندرية – ستكون موطنا لأسماك القرش قبل أطفالنا أن يشيبوا. فهل سنغطس بهدوء كما يفعل الكابيبارا؟ أم سنغرق كالحجارة؟
في مقدمته العبقرية، لم يتحدث ابن خلدون عن الكابيبارا. لكنه تحدث عن شيء أهم: قانون دوران الحضارات. يقول: كل أمة تبدأ بقحط وعسر وتعب. جيل الصحراء يأكل التمر والجوع. ثم يبنون دولة. ثم تزدهر. ثم تأتي المياه: مياه الأنهار التي تُروي الحقول، لكنها أيضا مياه القنوات التي تنقل الدسائس، مياه الحمامات التي تذيب العزيمة، مياه الشرب التي تروي رغبة الكسل. وبعد الري والازدهار والتوسع، تأتي اللحظة التي تغرق فيها الحضارة في مياهها. لا عدو يقضي عليها. هي من يغرق نفسها. نحن في غرقنا الكبير الآن. ليس فقط تغير المناخ. ليس فقط ذوبان القطبين. نحن نغرق في بياناتنا، في حروبنا على تويتر، في وجباتنا السريعة، في ضحكاتنا الاصطناعية. مياه المعلومات تغمرنا من كل جهة. والكابيبارا وحده يعرف الطريق إلى السطح.
يحكى أن نملة سألت كابيبارا: “لماذا تختفي دائما؟ ألست خائفا من التماسيح؟”
قال الكابيبارا: “أنا أخاف من الشيء نفسه الذي تخافين منه أيتها النملة.”
قالت النملة: “وما هو؟”
قال الكابيبارا: “أن أعيش فوق السطح طويلا فأنسى أن لدي رئتين.”
هذه هي وصية الكابيبارا لنا: لا تنس أنك تتنفس. لا تنس أن الهواء نعمة. عندما تنظر إلى العالم عبر الشاشات، عندما تستنزف الأخبار السارة تشاؤمك، عندما تظن أن خمس دقائق تحت الماء موت مؤكد… تذكر أن الكابيبارا يعيش أهم لحظاته تحت السطح. هناك حيث لا يراه أحد، حيث لا يسمعه أحد، هناك يجد نفسه.
الثقافة الغربية علمتنا أن نهاية العالم ستكون نارا. المسيحية: نار جهنم. هوليوود: صواريخ وحرب نووية، ثم سحابة على شكل عيش الغراب، ثم لهيب. لكن الحقيقة العلمية تقول غير ذلك. الاحتباس الحراري سيرفع حرارة المحيطات، وستتمدد المياه (ظاهرة التمدد الحراري)، وستذوب القمم الجليدية التي تزن تريليونات الأطنان. سيأتي يوم – ليس بعيدا – وترى شوارع نيويورك وقد تحولت إلى قنوات فينيسية. سترى تمثال الحرية مغمورا حتى الخصر. سترى الأهرامات وقد صارت جزرا صغيرة في بحر من رمال مبللة.
الكابيبارا سيكون آخر من يضحك. لأنه أتى من الماء. الماء أمه، وبيته، وملاذه. بينما نحن ذرية الصحراء، نحن أطفال اليابسة القاحلة، سنبكي عندما نرى المحيطات تزحف نحونا. يقول الكابيبارا بصمت: “لقد حذرتكم. عيناي فوق رأسي لأني رأيت هذا قادما منذ عصر الإيوسين.”
نصل إلى السؤال العملي: ماذا نفعل الآن؟ لا أقول اذهب إلى بركة وتدرب على حبس النفس خمس دقائق. ستغرق وتموت. البشر ليسوا كابيبارات. لكن الكابيبارا يعطينا نموذجا مجازيا:
– أولا: تعلم الاختفاء
ليس عن العالم، بل عن ضجة العالم. كل يوم خمس دقائق: أغلق هاتفك، أطفئ التلفاز، لا تقرأ جريدة، لا تدخل تليغرام. اختر زاوية هادئة، اجلس، اسبح في صمتك الداخلي. هذه هي تدريبات الغرق العظيم. لأنك ستغرق حرفيا لاحقا (نموت كلنا)، فتعلم أن تكون وحيدا مع روحك.
– ثانيا: خذ الأمور ببساطة الكابيبارا
الكابيبارا لا يبني بنوكا. لا يشن حروبا. لا يكتب توصيات الأسهم. ياكل عشبا، يطفو في الماء، ينام في الطين. الحيوان الأكثر غباء حسب بعض التصنيفات؟ لا. الحيوان الأكثر حكمة. لأنه رفض سباق الفئران. نحن نركض وكأن أجسادنا محترقة. الكابيبارا يتمهل. لا بأس أن يفوتك القطار، لا بأس أن يكون منزلك صغيرا، لا بأس ألا تُذكر في ويكيبيديا. الكابيبارا لم يُذكر في الموسوعات القديمة، لكنه كان سعيدا تحت الماء.
– ثالثا: تذكر أن النهاية ماء
عندما يحتضر الإنسان، يمر بمرحلة تسمى “الغرق الجاف”. يتوقف قلبه، لكن رئتيه تملآن بالسوائل. نموت غرقا حرفيا، حتى لو كنا في الصحراء. جسدنا يتذكر: أصله من الماء، وعادته أن يعود إلى الماء. بدلا من الخوف، يمكننا التأمل: كل يوم نستحم، نلمس الماء. النافلة تصب الماء على وجهي. قطرات المطر تسقط على سيارتي. الماء هو أول شيء عرفته (السائل الأمنيوسي)، وآخر شيء سأعرفه (ماء الموت). الكابيبارا لا يخاف لأنه يعرف هذا السر.
قبل أن يغطس الكابيبارا للمرة الأخيرة في مستنقعات الحياة، يهمس لنا:
اغمروا عيونكم فوق رؤوسكم كما غمست –
اجعلوا فتحات أنفكم مجرد مراصد صغيرة –
لا تنظروا إلى العالم كله دفعة واحدة –
اختبئوا قليلا تحت سطح هذه الفوضى –
واستعدوا لأن الغرق العظيم آت لا محالة. فساعتها، من كان قد تدرب على الصمت، سينجو ولو برئتين –
. هذا تأمل في النهايات: نهاية البشر، نهاية الحضارات، نهاية العالم كما نعرفه. وكلها ستنتهي بالماء. فهل نحن مستعدون لخمس دقائق من التنفس تحت الضغط؟نصيحة الكابيبارا: كل ما عليك هو أن تهدأ. وتختفي. وتتنفس. وتنتظر. كتبت هذا قارئي, بدم بارد، بعد أن أمضيت ثلاث ساعات أتفرج على كابيبارا في مستنقع افتراضي على يوتيوب. لم أره في الحقيقة قط. لكنني رأيته في عيني ذهني: يطفو، نصفه طين، نصفه فراء مبتل، وعيناه اللامعتان تحدقان في الكاميرا بتساؤل: “ألسنتكم أغرب من وجهي حتى الآن؟” حقا، نحن الأغرب.
📲 Partager sur WhatsApp
التماسف عن الضجيج والتفاهة والبلاهة، فكر واعمل بزمن الفكر التأملي، أي البطء، لا السرعة، مارس طقس المشي فريدا، في غابة، حديقة، على الشاطيء، على سفح الجبل، أو بجوار من لا الواحة…من وقحا أنيقا في مواقفك ضد القطيع، عاشر الكتاب وتدبير زمن المتوحد. حكم عراق ة الفكر والفن، أصدقاء الأرض والسلام والسكينة.
مقال بتأمل متخيل باذخ.