رجال الدين بين قداسة الجسد ومحراب الكبت

بقلم زكية لعروسي, باريس

في لحظة يظنّ فيها الإنسان أنّه قد أحكم بناء الأسوار حول ذاته، وأنه روّض نوازعه حتى غدت طوع أمره، تأتي الوقائع الصادمة لتعلن- بقسوة لا تعرف المجاملة – أن الداخل لم يهذَّب كما ينبغي، بل أجِّل انفجاره فقط. وهكذا، لا تعود الحوادث المرتبطة برجال الدين مجرد انحرافات فردية معزولة، بل تتحول إلى شقوق في بنية فكرية وروحية أعمق، تستدعي قراءة تحليلية جذرية، لا تكتفي بالإدانة الأخلاقية، بل تنفذ إلى طبيعة الإنسان، وإلى فلسفة المؤسسة الدينية ذاتها.

إنّ أول ما ينبغي تفكيكه هو الوهم التاريخي الذي رسم رجل الدين بوصفه كائنا مفارقا للطبيعة، مُعلّقا بين الأرض والسماء، منزوعا من شروط الجسد. هذا التصور، الذي تعزّز في بعض التقاليد الرهبانية، لم يكن يوما خاليا من التوتر. فمنذ العصور الأولى، ظهر صراع بين نزعة “تقديس الجسد” بوصفه وعاء للروح، ونزعة “احتقاره” بوصفه مصدر الخطيئة. وقد انتصرت في لحظات كثيرة فكرة القمع، لا التهذيب، فكان الثمن باهظا: إنسان مقموع في داخله، متضخم في ظاهره.

ولعلّ هذا ما أدركه الإمام الغزالي بعمق نادر، حين رسم صورة الإنسان بوصفه ميدان صراع بين قوى متعارضة: شيطانية، وبهيمية، وكلبية، وملائكية. لم يكن الغزالي يدعو إلى استئصال هذه القوى، بل إلى إدارتها بالحكمة والتربية. غير أنّ ما يحدث حين تفرض أنماط حياة صارمة-كالعزوبة الإلزامية- هو أنّ هذه القوى لا تدار، بل تحبس، وما يحبس طويلا لا يختفي، بل يتحوّل إلى ضغط باطني يبحث عن منفذ. ومن هنا، لا يمكن فهم “الانحراف” بمعزل عن بنية الكبت. فالفلسفة الحديثة، من فرويد إلى فوكو، بيّنت أنّ السلطة على الجسد لا تلغيه، بل تعيد إنتاجه في  أشكال أكثر تعقيدا، وربما أكثر خطورة. إنّ الرغبة حين تحاصر، لا تموت؛ إنها تتخفّى، تتلوّى، وتنتظر لحظة الانفلات. وفي هذا السياق، لا تعود بعض الاعتداءات مجرد “سقوط أخلاقي”، بل تتحول إلى نتيجة شبه حتمية لنظام يطلب من الإنسان أن يكون ما لا يستطيع أن يكونه على الدوام.

غير أنّ التحليل لا يكتمل دون توسيع الدائرة: فهذه الظاهرة ليست حكرا على دين دون آخر. التاريخ الإسلامي، والمسيحي، واليهودي، كلّه يحمل شواهد على انزلاقات بشرية داخل مؤسسات دينية. وهذا يؤكد أن العطب ليس في النصوص المقدسة بقدر ما هو في تأويلها، وفي النماذج المؤسسية التي تبنى حولها. فحيثما وجد الإنسان، وجدت إمكانية السمو كما وُجدت إمكانية السقوط. لكن، هل يكفي هذا التفسير لفهم عمق الأزمة؟ الجواب: لا. لأنّ ثمة بعدا آخر يتعلق بطبيعة السلطة الدينية نفسها. فحين يمنح رجل الدين سلطة رمزية عالية – بوصفه وسيطًا بين الإنسان والمقدّس- فإنّ هذه السلطة قد تتحول، فبغياب الرقابة والتوازن، إلى مجال للانحراف. إنّ الجمع بين القمع الداخلي والسلطة الخارجية يخلق وضعا بالغ الخطورة: رغبةٌ مكبوتة، وأدوات تأثير واسعة

هنا تحديدا يبرز سؤال الإصلاح، لا بوصفه تمرينا نظريا، بل كضرورة حضارية. إنّ إعادة النظر في مسألة العزوبة الإلزامية، والسماح لرجال الدين بالزواج، ليس مجرد مطلب اجتماعي، بل محاولة لإعادة التوازن إلى الكائن البشري. فالزواج، في جوهره، ليس إشباعا بيولوجيا فحسب، بل إطار أخلاقي واجتماعي ينظم العلاقة بين الجسد والروح، بين الفرد والمجتمع. لقد أدركت حضارات عديدة هذه الحقيقة. فالفلسفة اليونانية لم ترَ في الجسد عدوا، بل شريكا ينبغي تهذيبه بالعقل. والتصوف الإسلامي، في أرقى تجلياته، لم يدع إلى إنكار الطبيعة، بل إلى تجاوزها عبر الوعي، لا القمع. وبين هذين الأفقين، يمكن صياغة نموذج ديني جديد، يعترف بالإنسان كما هو، لا كما يراد له أن يكون في المثال المجرد.

ومع ذلك، ينبغي الحذر من السقوط في التبسيط: فالسماح بالزواج ليس حلا سحريا، بل خطوة ضمن منظومة إصلاح أوسع تشمل الشفافية، والمساءلة، والتكوين النفسي، وإعادة تعريف السلطة الدينية نفسها. لأنّ المشكلة، في عمقها، ليست فقط في الجسد، بل في العلاقة الملتبسة بين الإنسان والسلطة، بين الرغبة والمعنى. وفي هذا التأمل، تبدو الحكمة الشعبية أكثر صدقا من كثير من التنظير، حين تقول: “ماتيقش في الذكير لو كان يكون فير”. فكل ما يخفى في باطن النفس، لا بد أن يظهر، إما في صورة نور مهذّب، أو في هيئة انفجار مظلم. فالاختيار ليس بين الجسد والروح، بل بين الفهم والقمع، بين الحكمة والإنكار. تلك هي البطولة الحقيقية: أن يواجه الإنسان ذاته بلا أقنعة، وأن تبني المؤسسات الدينية إنسانا متوازنا، لا كائنا ممزقا بين سماء يتطلع إليها، وأرض يطلب منه أن ينكرها.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “رجال الدين بين قداسة الجسد ومحراب الكبت

  1. سلطة اللاشعور لا سلطة بعدها، بركان الليبيدو هامدتحت ركام المكبوت، فيما هو يتحين الانفجار كلما سنحت له الفرصة. هذا المستوى من طبوغرافيا البنية العضوية-التفسية مكون أساس في الجهاز النفسي الشخصية. وهو واحد البشر، قابل للترويض، غير أنه غيرقابل لتحصينه ضد التعبير و ظهور شظاياه على مستوى السلوك. قانونه هو الغريزة . وهو قوة تدفع الجسد لتلبية مطالبه، تلك التي وضعت الشعوب سلم من القيم متعدد الروافد لكبح جماحه. ومع ذلك يحدث الانفجار ويترجم الجسد المطلوب، وفي كثير من الحالات، ضد لغة القانون بمختلف أشكاله. من هنا وضعت المجتمعات سياسة لتدبير الجسد، سياسة متعددة الروافد والفواعل لترويض البهامة أو البهيمية التي هي واحد البشر على الرغم من الاختلاف التقافي.
    موضوع شاءك لا محالة. والحجة في ذلك هو غياب البرامج التي تطرق هذا الموضوع بصوت مرتفع. فقط هناك نقاش في ” الركاني” لأن الأمر لازال محسوبا من قبيل الطابو ، من صدى قوة حراس الأخلاق ومن يتكلم باعتباره من الأوصياء على مصاءر الناس. المطلوب هو نظام دولة لدستور يقوم على قيم الحقوق والاختلاف، كما تنص عليها الحقوق الكونية للإنسانية المعاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *