بقلم زكية لعروسي, تأملات في الحبّ، ووحشة العصر
في صباح بارد من هذا العصر السيليكوني الحزين، كنت أقرأ خبرا صغيرا عن السناجب الحمراء. قال الخبر إن الذكور منها، حين تشمّ رائحة الأنثى في موسم الحب، تدخل في مطاردات جنونية عبر الغابات، تقفز بين الأغصان، تخاطر بالسقوط، وتتقاتل أحيانا فقط لكي تقترب من أنثى واحدة. أغلقت الهاتف فجأة. وشعرت بخجل غامض. ليس بسبب السناجب…بل بسبب الإنسان. كيف وصلت البشرية إلى مرحلة صار فيها حيوان صغير يركض في الغابة أكثر شجاعة في الحب من رجل معاصر يجلس خلف شاشة مضاءة كقبر إلكتروني؟
شيء مرعب حدث للعاطفة الإنسانية. شيء يشبه انطفاء الشمس ببطء دون أن ينتبه أحد. لقد صار الإنسان الحديث كائنا باردا بطريقة لم تعرفها حتى الحيوانات. الذئب يعوي إذا فقد رفيقته. الحصان يضرب الأرض حين تبتعد أنثاه. العصافير تقطع آلاف الكيلومترات لتعود إلى الأعشاش القديمة. أما الإنسان المعاصر… فيضغط زر “بلوك” وينام. أيُّ كارثة حضارية هذه؟ في الماضي، كان الحبّ يشبه السفر في الصحراء: مخاطرة، وعطش، وانتظار، وجنون. كان الرجل يقطع القبائل لأجل امرأة. وكانت المرأة تخبئ رسالة تحت الوسادة كما لو أنها تخبئ قلبها نفسه.
أما اليوم، فقد صار الحب أقرب إلى تطبيق هاتفي: أصابع تتحرك، صور تتبدل، وجوه تُستهلك بسرعة الوجبات السريعة، وعواطف تُرمى في سلة الإشعارات. لقد دخل الإنسان عصر “الوفرة العاطفية الكاذبة”، وكل وفرة مفرطة تقتل المعنى. حين يصبح بإمكانك رؤية ألف جسد في ساعة واحدة، تفقد القدرة على الارتعاش أمام جسد واحد. وحين تتدفق الصور مثل فيضان من السيليكون والخصور المعدلة والفلاتر والابتسامات الصناعية، يصبح القلب عاجزا عن التمييز بين الرغبة الحقيقية والاستهلاك البصري. لقد انهارت المسافة الضرورية للحب.
في التراث العربي، كان العشق يولد من البعد. قيس لم يمت لأنه امتلك ليلى، بل لأنه لم يستطع الوصول إليها. وكان العاشقون يفهمون بالحدس ما سيقوله لاحقا سيغموند فرود وجاك لاكون: الرغبة تعيش من النقص، لا من الامتلاء. أما الإنسان المعاصر، فقد حوّل الرغبة إلى سوبرماركت بصري مفتوح أربعا وعشرين ساعة في اليوم. ولذلك لم يعد يشتهي شيئا حقا. إننا نعيش أول حضارة في التاريخ تعاني من التخمة العاطفية والمجاعة الروحية في الوقت نفسه.
في المقاهي الباريسية، ترى عاشقين يجلسان أمام بعضهما مثل تمثالين من الثلج. هو يحدق في هاتفه. وهي تغرق في شاشة أخرى. بينهما طاولة، وقهوتان، وصمت يشبه جنازة غير معلنة للحب. لقد صار الإنسان يخاف من القرب الحقيقي. كلما تطورت وسائل التواصل، انهارت القدرة على الاتصال النفسي. وهنا تكمن المفارقة الأكثر رعبا: لقد نجحنا في ربط الأجهزة، وفشلنا في ربط الأرواح. في الماضي، كان الآباء يقولون: “القلوب عند بعضها”. وكانت الجدات يفهمن الحبّ كشيء يسكن التفاصيل الصغيرة: كوب الشاي الذي يُترك ساخنا، انتظار الزوجة عند النافذة، اليد التي تُصلح ياقة القميص بصمت.
أما اليوم، فقد صار الحب مشروعا استعراضيا. الناس لا يعيشون العاطفة؛ بل يصورونها. العلاقة الحديثة تشبه مدينة من الزجاج: كل شيء ظاهر، لكن لا شيء دافئ. لقد فقد الإنسان المعاصر حتى غريزته الحيوانية الأولى: غريزة التعلّق. الحيوان حين يحب، يحبّ بجسده كله. أما الإنسان الرقمي، فقد انقسم إلى شظايا إلكترونية: نصفه في “الستوري”، ونصفه في الخيال، ونصفه الآخر في خوف مرضي من الالتزام. لقد تحولت الحرية الحديثة إلى فوبيا جماعية من الحب. الرجل يخاف أن يُحتجز عاطفيا. والمرأة تخاف أن تُستهلك ثم تُرمى. وكلاهما يدخل العلاقة مرتديا درعا نفسيا ثقيلا، ثم يتساءلان لماذا ماتت العاطفة.
دوستويفسكي كان سيبكي لو رأى هذا العصر. ولوركا كان سيعتبر الهواتف مقابر مضيئة للعشاق. لقد صار الإنسان كائنا يتحدث طوال اليوم، لكنه لا يقول شيئا. يعرض جسده باستمرار، لكنه يختبئ نفسيا أكثر من أي وقت مضى. حتى اللغة ماتت. في الماضي، كانت رسالة حب واحدة قادرة على إشعال سنة كاملة من الانتظار. أما اليوم، فآلاف الرسائل تمرّ بلا أثر لأن الكلمات نفسها فقدت حرارة الروح. لقد انهارت قيمة الندرة. وكل شيء يفقد ندرته… يفقد قداسته. ولهذا يعود السؤال المؤلم: هل ينبغي أن نتعلم الحب من الحيوانات؟
ربما نعم. السنجاب الذي يركض بين الأشجار بحثا عن الأنثى لا يعرف شيئا عن الفلسفة، لكنه يعرف شيئا نسيه الإنسان: أن الحب يحتاج مخاطرة. وأن الاقتراب من الآخر ليس “محتوى”، بل قفزة وجودية فوق هاوية الوحدة. الحيوانات لا تملك تطبيقات مواعدة، لكنها تملك حضورا كاملا داخل اللحظة. أما الإنسان الحديث، فقد صار يعيش في حالة تشتت دائم، حتى أثناء العناق. ولذلك لم تعد العلاقات تنهار بسبب غياب الحب فقط، بل بسبب غياب الانتباه. نحن لا ننظر إلى بعضنا حقا. لا نصغي حقا. لا نلمس بعضنا بقلوبنا. كل شيء صار سريعا إلى درجة أن الروح نفسها لم تعد قادرة على اللحاق بالجسد.
لقد دخلت الحضارة الإنسانية مرحلة خطيرة: مرحلة فقدان الدهشة العاطفية. وحين يفقد الإنسان قدرته على الدهشة، يبدأ بالتحول إلى آلة بيولوجية أنيقة. لهذا فإن الأزمة ليست أزمة رجال ونساء فقط. إنها أزمة حضارة كاملة استبدلت الحميمية بالخوارزميات، والحبّ بالأداء، والرغبة بالإعلان، والقلب بالشاشة. وربما سيأتي يوم، بعد قرون، يكتشف فيه علماء الآثار هواتفنا القديمة، فيظنون أننا كنا شعبا يتعبد للصور. لكنهم لن يفهموا الحقيقة الأكثر حزنا: أن الإنسان، وسط كل هذا الضوء الإلكتروني، كان يموت من البرد العاطفي.
📲 Partager sur WhatsApp