صناديق التقاعد: هل يحين وقت كسر الطابوهات؟

قراءة في تصريحات رولان لسكور بين الفلسفة الاقتصادية والمقارنة الدولية

في زحام الأخبار والمآسي التي تملأ الدنيا، تأتي تصريحات وزير الاقتصاد الفرنسي رولان لسكور لتلقي حجرا في بركة السياسة الاقتصادية الراكدة. دعوته إلى إنشاء صناديق تقاعد فرنسية، تشبه تلك الكائنات العملاقة التي تمشي في وول ستريت وتورنتو، ليست مجرد فكرة تقنية عابرة، بل هي زلزال صغير في قاموس الجمهورية الفرنسية التي طالما اعتزت بنموذجها الاجتماعي الفريد. قالها الوزير بالإنكليزية خجلا: “Pension funds”. لم يجرؤ على نطقها بالفرنسية، فالكلمة في لغة موليير تحمل ثقل قرون من النضال العمالي والخوف من رأسمالية وحشية تلتهم حقوق المتقاعدين. إنها لعبة ذكية، استعمال اللغة كلثام يخفي الوجه الحقيقي للفكرة. “ضرب الحديد ما حدو سخون”، كما نقول في المغرب. والوزير يضرب الحديد الفرنسي في وقت تتجه فيه الأنظار إلى تمويل الاقتصاد والاستقلالية الاستراتيجية. لكن السؤال الذي يطرح نفسه بحدة: هل فرنسا مستعدة لهذا التحول الجذري؟

في كتابه “قوة المال”، يقول الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو إن السلطة الحقيقية لم تعد في المدافع بل في تدفقات رأس المال. عندما يملك صندوق تقاعد أميركي أسهمًا في شركات أوروبية كبرى، فهو لا يشتري أسهماً فقط، بل يشتري نفوذاً وقرارا. هنا تكمن عبقرية دعوة لسكور: “لا يمكننا ترك مصيرنا في أيدي الآخرين”. المال هو الدماء التي تجري في عروق الاقتصاد. ومن يملك المال طويل الأجل، يملك القدرة على التخطيط والتحكم في المصير. صندوق التقاعد الكندي الذي عمل فيه الوزير سابقا(Caisse de dépôt et placement du Québec) هو مثال حي على مؤسسة تدير مدخرات المتقاعدين لتستثمرها في مشاريع كبرى، من البنية التحتية إلى التكنولوجيا، عائدة بذلك بفوائد جمّة على الاقتصاد المحلي.

لنقارن بين النماذج المختلفة: في الولايات المتحدة، صناديق التقاعد (كاليفورنيا Public Employees’ Retirement System) تدير تريليونات الدولارات، وتستثمر في كل شيء من وول ستريت إلى الأسواق الناشئة. لكنها أيضا خلقت فجوة هائلة بين من يملكون معاشات تقليدية (Defined Benefit) ومن يملكون خطط ادخارية (401k) تعتمد على أداء الأسواق. في كندا، النموذج الذي يمثله الوزير يعتمد على صناديق مستقلة شبه حكومية تديرها نخبة من المستثمرين المحترفين، محققة عوائد تفوق السوق، ومستثمرة في مشاريع وطنية كبرى. في السويد، هناك نموذج مختلط يجمع بين المعاش الحكومي (الضمان الاجتماعي) وصناديق ادخارية إجبارية تدار بشكل جماعي. أما فرنسا، فتعتمد على نظام التوزيع (Pay-as-you-go) حيث يدفع العمال معاشات المتقاعدين مباشرة. هذا النظام العريق يعاني اليوم من شيخوخة السكان وارتفاع نسبة الإعالة. “اللي ما عندو ما يعطي” يقول المثل المغربي. والدولة الفرنسية التي تعاني عجزا في ميزانيتها، تجد نفسها عاجزة عن تمويل معاشات المستقبل. لكن هل الحل في صناديق التقاعد الخاصة؟ المعارضة اليسارية ترى فيها بوابة لخصخصة الضمان الاجتماعي وتدمير مكتسبات العمال. لكن الواقع أن الصناديق يمكن أن تكون تكميلية لا بديلة، كما هو الحال في بعض الدول الأوروبية.

رسالة وزير الاقتصاد الفرنسي واضحة: أوروبا (وفرنسا) بحاجة إلى تمويل طويل الأجل لتحقيق استقلالها الاستراتيجي. التكنولوجيا، الدفاع، الطاقة النظيفة، كلها تحتاج استثمارات ضخمة لا تستطيع الدولة وحدها تمويلها. وبدلا من أن تبقى مدخرات الفرنسيين في حسابات التوفير البنكية بعوائد ضئيلة، يمكن توجيهها نحو الاقتصاد الحقيقي. “الدنيا دوارة” كما نقول. الأمس كان العمال يخافون من رأسمالية بلا ضوابط. واليوم قد تكون صناديق التقاعد هي الأداة التي تحمي مدخراتهم من التضخم ومن تقلبات الأسواق، إذا أحسن تنظيمها.

فرنسا مستعدة ثقافيا؟ لا يبدو. فالذاكرة الجماعية لا تزال تحمل جروح الثورة الفرنسية والصراع الطبقي. لكنها مستعدة اقتصادياً؟ نعم، لأن البديل هو التبعية للأموال الأجنبية. المقارنة مع المغرب مثلا مثيرة للاهتمام: فالمغرب أنشأ صناديق تقاعد (CMR, RCAR) تستثمر في البنى التحتية، لكنها ما زالت بعيدة عن النموذج الكندي أو الأميركي في حجم الاستثمارات الدولية. تصريحات لسكور هي إنذار مبكر لمعركة ستحتدم في 2027. إنها دعوة لتحديث النموذج الاقتصادي الفرنسي دون تفكيك مكتسباته الاجتماعية. وهي أيضاً اعتراف ضمني بأن الدولة لم تعد قادرة على فعل كل شيء بمفردها. تبقى الحكمة المغربية “اليد الوحدة ما تصفقش”. فرنسا بحاجة إلى شراكة بين الدولة والقطاع الخاص والمواطنين لتمويل مستقبلها. وصناديق التقاعد، إذا صممت بشكل يحمي حقوق المتقاعدين ويضمن استثماراً أخلاقياً ومستداماً، قد تكون جزءاً من الحل لا جزءاً من المشكلة. لكن الطريق طويل وشائك. وكما قال الشاعر العربي:”وما نيل المطالب بالتمني *** ولكن تؤخذ الدنيا غلابا”.

فهل تمتلك فرنسا الإرادة السياسية لكسر هذا الطابو؟ الأيام وحدها كفيلة بالإجابة.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *