زلزال في نهائي كأس إفريقيا

بقلم زكية لعروسي, باريس

في كرة القدم، كما في الحياة، ليست كل المباريات تلعب على العشب…بعضها يحسم في الظلال، حيث لا كاميرات ولا جمهور، بل همسات، وضغوط، وخيوط خفية تتحرك في صمت. ما جرى في نهائي كأس إفريقيا بين المغرب والسنغال – إن صحّت بعض المعطيات المتداولة – لا يمكن اختزاله في قرار تحكيمي، ولا حتى في تطبيق مادة قانونية من لوائح الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. نحن أمام سؤال أعمق:هل ما زالت اللعبة تدار بقوانينها… أم بمنطق النفوذ؟

حين يمنح الفوز وفق اللوائح، يبدو الأمر منتهيا على الورق. لكن الورق – كما يعلم الحكماء- لا يحمل دائما كل الحقيقة. الحديث عن اتصالات أثناء المباراة، عن ضغوط محتملة، عن تدخلات تتجاوز المستطيل الأخضر…كلها، إن ثبتت، لا تعد أخطاء بشرية، بل خللا في ميزان العدالة الرياضية نفسها. وهنا يصبح السؤال مؤرقا. هل كانت المباراة مواجهة بين فريقين… أم بين إرادتين: إرادة اللعب، وإرادة التأثير؟

وسط هذا الضجيج، اختار المغرب طريقا مختلفا: لا صراخ، لا فوضى، بل تمسك بالقانون. بقي واثقا في مؤسساته، وفي قدرته على الدفاع عن حقه داخل الأطر الرسمية، بقيادة فوزي لقجع. وهنا تكمن المفارقة: في زمن تحسم فيه بعض المعارك بالصوت العالي، اختار المغرب أن ينتصر بالصمت المنظّم.

“كلشي يتقلب إلا راس بنادم ما يتقلب”كما تقول الأمهات بحكمة فطرية…لكننا نقول أن ما حدث في هذه المبارة هو أعمق من هذا المثل الشعبي: “لا يصح إ لا الصح والعمل”. فيمكن أن تتغير النتائج، تعاد كتابة الوقائع، تحرّف الروايات…لكن الحقيقة، .في جوهرها، لا تنقلب. قد تتأخر… لكنها لا تموت, والروح الرياضية آخر ما يجب أن يسقط

في خضم الاتهامات والتأويلات، يظل الخطر الأكبر هو فقدان الروح الرياضية. فاللعبة التي تبنى على الشك وحده، تتحول إلى صراع، لا إلى منافسة. المغرب، في هذه اللحظة، لا يحتاج فقط إلى الدفاع عن نتيجة، بل إلى الدفاع عن فكرة: أن كرة القدم يمكن أن تبقى نظيفة… حتى في عالم معقد. إذا كانت هناك فعلا ملفات، تسجيلات، أو معطيات ثقيلة – كما يتداول- فالمكان الطبيعي لها ليس مواقع التواصل، بل مؤسسات مثل محكمة التحكيم الرياضي. لأن الحقيقة، حين تعرض أمام القضاء الرياضي، لا تعود رواية… بل تصبح وثيقة.

قد تكون هذه مجرد مباراة في نظر البعض، لكنها في نظر آخرين لحظة كاشفة: كاشفة لقوة المؤسسات لكيفية إدارة الأزمات وللفارق بين من يصرخ… ومن يشتغل المغرب لم ينتصر فقط بنتيجة، إنما – إن صحّ المسار – انتصر بأسلوب. وفي زمن تختلط فيه الأوراق، يبقى الأهم ليس ما يتقلب…بل ما يبقى ثابتا: الحق… والكرامة… وروح اللعب النظيف.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *