الخرائط المبتورة هزيمة أخلاقية

بقلم الصحافي حيمري البشير, كوبنهاغن- الدنمارك

ليست الصحراء بالنسبة للمغرب مجرد امتداد جغرافي مرسوم بالحبر فوق خرائط العالم، بل هي نبض تاريخي يسري في شرايين الأمة المغربية منذ قرون، وذاكرة سيادة موغلة في الزمن، وجزء من الروح الجماعية التي لا يمكن اقتلاعها لا باستفزاز رياضي عابر، ولا بخريطة مبتورة تنشر هنا أو هناك في لحظة رعونة سياسية أو حسابات ضيقة. لقد بدا رد الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، بقيادة فوزي لقجع، حازما وواضحا حين تم التصدي للاستفزاز الذي صدر عن الفريق الجنوب إفريقي المنافس للجيش الملكي، بنشره خريطة ناقصة للمغرب تستثني أقاليمه الجنوبية. فالمغرب، الذي بنى رؤيته الحديثة على احترام السيادة الوطنية ووحدة التراب، لا يمكنه أن يقبل بتحويل الملاعب الرياضية إلى منصات للتشويش السياسي أو العبث الرمزي بثوابته الوطنية.

فالرياضة، في جوهرها النبيل، فضاء للتنافس الشريف والتقارب الإنساني، لا ساحة لتصفية الحسابات الإيديولوجية أو بث رسائل عدائية مغلفة بقميص كرة القدم. وما حدث في مطار الرباط ـ سلا، ومنع الفريق الجنوب إفريقي من النزول في ظل ذلك الاستفزاز، ليس إلا تعبيرا عن دولة تدرك جيدا أن السيادة لا تتجزأ، وأن احترام المغرب يمر أولا عبر احترام خريطته ووحدته الترابية. إن الذين يعتقدون أن خريطة ناقصة يمكنها أن تهز يقين المغاربة في مغربية الصحراء، يشبهون أولئك الذين حاولوا عبر التاريخ اقتلاع الجبال بالعواصف. فالصحراء هي امتداد للبيعة، وللتاريخ، وللروابط القبلية والروحية التي ظلت تجمع القبائل الصحراوية بالعرش المغربي منذ قرون طويلة، قبل أن تولد الكثير من الكيانات السياسية المعاصرة.

لقد حاول خصوم المغرب مرارا تحويل كل مناسبة رياضية أو ثقافية إلى منصة للاستفزاز، لكنهم في كل مرة يصطدمون بحقيقة واحدة: الصحراء مستقرة في وجدان المغاربة كما تستقر النجوم في السماء، لا تغيرها الشعارات ولا المناورات. وإذا كانت جنوب إفريقيا الرسمية ما تزال أسيرة حسابات الحرب الباردة القديمة وإرث الاصطفافات الإيديولوجية، فإن المغرب اختار طريقا آخر: طريق البناء، والتنمية، والاستثمار، وترسيخ حضوره الإفريقي بالقوة الناعمة، لا بخطابات العداء. ومن هنا تتجلى أهمية المشروع الرياضي الذي يقوده فوزي لقجع، والذي تجاوز حدود كرة القدم ليصبح جزءا من صورة المغرب الحديثة في إفريقيا والعالم. فالرجل لم يبن فقط ملاعب ومراكز تكوين، بل ساهم في إعادة صياغة مكانة المغرب القارية، وجعل من الرياضة أداة إشعاع حضاري ودبلوماسي.

لقد أصبح المغرب اليوم قبلة إفريقية كبرى لكرة القدم، بفضل بنياته التحتية الحديثة، وتنظيمه المحكم، ورؤيته الاستراتيجية التي جعلت المملكة تتقدم بثبات نحو قيادة المشهد الرياضي الإفريقي والعربي. من كأس العالم للشباب، إلى كأس العرب، وصولا إلى احتضان كأس إفريقيا للأمم، يبدو المغرب وكأنه يكتب فصلا جديدا من مجده الكروي والسياسي معا. أما الجيش الملكي، ذلك الفريق الذي يحمل في اسمه رمزية الوطن والدولة، فإنه يدخل مباراة العودة ليس فقط بروح المنافسة الرياضية، بل أيضا بإرادة جماهيرية مشتعلة برغبة الرد داخل الميدان على كل أشكال الاستفزاز التي تعرض لها جمهور الفريق في جنوب إفريقيا. وجمهور الجيش، المعروف بعشقه الجارف ووفائه النادر، يدرك أن المعركة اليوم ليست مجرد تسعين دقيقة من كرة القدم، بل لحظة كرامة وطنية ورمزية سيادية. لذلك لن يكون غريبا أن يتحول الملعب إلى بحر من الأعلام المغربية الممتدة من طنجة إلى الكويرة، في رسالة واضحة تقول للعالم: الصحراء مغربية… شاء من شاء وأبى من أبى.

وإذا اختار المغرب يوما أن تلعب المباريات في مدينة العيون، فلن يكون ذلك استفزازا لأحد، بل تأكيدا طبيعيا على سيادته الكاملة فوق أرضه، ورسالة بأن الأقاليم الجنوبية ليست هامشا معزولا، بل قلبا نابضا داخل الجسد المغربي. إن الأمم العظيمة لا تقاس فقط بقوة اقتصادها أو جيوشها، بل بقدرتها على الدفاع عن رموزها ووحدتها بثقة وهدوء. والمغرب اليوم، بقيادته ومؤسساته وشعبه، يبعث برسالة واضحة إلى العالم: الصحراء ليست قضية ظرفية… إنّها قدر تاريخي يسكن وجدان المغاربة، ولن تستطيع الخرائط المبتورة ولا الاستفزازات العابرة أن تقتلعها من مغربها الأبدي.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *