بقلم زكية لعروسي, باريس
ثمة جملة تمشي على حافة السكين، قالتها دوروثي باركر وكأنها تبتسم بسخرية باردة: ” الجمال مجرد قشرة خارجية، أما القبح فهو متوغّل حتى العظام” جملة تبدو كأنها خرجت من مرآة مشروخة، لا تعكس الوجوه بقدر ما تعري ما تحتها. لكن، ما الذي يراه الرجل حقا حين ينظر إلى امرأة؟ هل يرى الجلد، أم يسمع صرير العظام الخفية وهي تحكي تاريخها؟
لو استحضرنا أبا العلاء المعري، ذلك الأعمى الذي رأى أكثر مما رأى المبصرون، لقال: إن الجسد كله خدعة مؤقتة، وإن الحسن ليس إلا قناعا ترتديه الروح لتخفي قلقها الوجودي. كان سيضحك -بمرارة- من فكرة أن الجمال يقاس بالملامح، وهو الذي رأى في الإنسان كله”جرما صغيرا ينطوي فيه عالم كبير من التناقضات”. عنده، القبح ليس في العظام، بل في الفكرة التي تسكنها. أما الجاحظ، بعينه الساخرة وميله إلى تفكيك البداهات، فربما قلب العبارة رأسا على عقب. سيقول: لو كان القبح يسكن العظام، لكان الحكم على الإنسان نهائيا، لكننا نرى القبيح يفتن ببلاغته، والجميل يسقط بثقله. الجاحظ لم يكن يثق بالمظاهر؛ كان يرى أن “البيان” هو الجمال الحقيقي، وأن الروح حين تنطق قد تعيد تشكيل الوجه كله.
الفلاسفة اليونان، من جهتهم، حاولوا هندسة الجمال كما لو أنه معادلة. بعضهم رآه تناسبا، انسجاما، رقما سريا يربط العين بالروح. لكنهم -رغم ذلك- لم يغفلوا عن شيء مقلق: أن الرغبة لا تخضع دائما لهذا التناسب. الرجل قد يعرف أن الجمال قشرة، ومع ذلك ينجذب إليها كما تنجذب الفراشة إلى النار، وهو يعرف -بشكل غامض- أن تحت الضوء احتراقا. أما الفلاسفة المعاصرون، فقد ذهبوا أبعد: قالوا إن الجمال ليس في المرأة، بل في عين الرجل، بل في بنيته النفسية نفسها. الرجل لا يرى المرأة كما هي، بل كما يحتاجها أن تكون. هو لا يعشق وجهها فقط، بل يعشق الصورة التي يختبئ داخلها. وهنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل يهتم الرجل بقبح العظام أمام جمال المرأة؟
الإجابة ليست نعم أو لا، بل شيء أشبه بحلم مضطرب. الرجل، في لحظة الانبهار الأولى، لا يرى العظام أصلا. يرى الضوء على الجلد، يرى الانحناءات التي توهمه بالكمال، يرى وعدا غامضا بالسعادة. في تلك اللحظة، الجمال ليس قشرة -بل كيان كامل، عالم مغلق، لا يسمح بالشك. لكن، مع الزمن، تبدأ القشرة بالشفافية. يبدأ الرجل -دون أن يدري- بسماع ما تحتها: نبرة الصوت حين تتعب، نظرة العين حين تخونها الحقيقة، التفاصيل الصغيرة التي تكشف”العظام النفسية” إن صح التعبير. هنا، القبح الحقيقي لا يكون في الهيكل، بل في التصدعات الداخلية: في القسوة، في الفراغ، في العجز عن الحب.
الرجل كائن مزدوج: جزء منه بدائي، يركض خلف الجمال كما لو أنه طوق نجاة. وجزء آخر عميق، خائف، يبحث عن شيء لا يراه، بل يشعر به…شيء لا تسكنه القشور. ولهذا، قد يعشق امرأة جميلة، لكنه لا يبقى إلا مع من لا تؤلمه عظامها. الجمال، إذن، ليس كذبة، لكنه ليس الحقيقة أيضا. هو باب. والرجل -مهما ادّعى العقل -يدخله أولا بعينيه، لكنه لا يمكث إلا إذا وجدت روحه مكانا تستقر فيه. أما القبح الذي “في العظام”، فليس ما قصده الجسد، بل ما تقصده الروح حين تفشل في أن تكون حيّة. وهنا فقط، تصبح عبارة دوروثي باركر أقل سخرية… وأكثر رعبا.
📲 Partager sur WhatsApp