بقلم زكية لعروسي, باريس
في زمن صار فيه الوقود مرآة للقلق العالمي،لا يعود ارتفاع الأسعار مجرد رقم يضاف إلى فاتورة،بل يتحوّل إلى علامة على اختلال أعمق…اختلال يمدّ رجليه، كما تقول الحكمة الشعبية، ولا يجد من يوقظه من سباته الثقيل. هكذا، أعلنت طوطال تمديد سقف أسعار الوقود، وكأنها، في لحظة خاطفة، قررت أن تبطئ اندفاع الحريق. لكن، هل تطفئ النار بتقنين اللهب؟
في الظاهر، يبدو القرار فعلا إنسانيا: تحديد سعر اللتر، تخفيف العبء عن المستهلك، كبح جماح سوق فقد توازنه. غير أن المشهد، إذا أعيد تأمله، يكشف طبقات أكثر تعقيدا. الطوابير أمام محطات الوقود ليست مجرد بحث عن سعر أقل، بل هي صورة رمزية لعصر يقف فيه الإنسان على عتبة الندرة، ينتظر دوره… ليشتري ما كان يوما بديهيا. لقد تحوّل الوقود إلى ما يشبه “الخبز الحديث”. من يملكه، يضمن استمرار الحركة، ومن يحرم منه، يتوقّف…حرفيا.
وفي هذا السياق، يصبح تدخل شركة عملاقة مثل طوطال أقرب إلى سلطة موازية، لا تشرّع القوانين، لكنها تعيد رسم حدود الممكن. يقول المثل: “إذا كثر الطباخون احترق المرق” لكن في عالم الطاقة، الطباخ واحد تقريبا…والمرق يحترق رغم ذلك. الأسواق العالمية، التوترات الجيوسياسية، سلاسل الإمداد، كلها تتداخل لتصنع واقعا لم يعد في يد الحكومات وحدها، بل في قبضة شركات عابرة للقارات. وهنا، تتبدّى المفارقة الكبرى: الدولة تحاول الضبط، والشركة تمارس التهدئة، والمواطن… يتأرجح بينهما. القرار، وإن بدا سخيا، ليس بلا ثمن.

التاريخ القريب يذكّرنا بأن مثل هذه العمليات كلّفت مئات الملايين. لكن السؤال ليس كم كلّف، بل: ماذا يكشف؟ إنه يكشف أن السوق، حين ينفلت، يحتاج إلى من “يهذّبه” مؤقتا، حتى لو كان ذلك الفاعل نفسه جزءا من المنظومة التي أنتجت الأزمة. لو استدعينا كارل ماركس ، لرأى في هذا المشهد تجسيدا حيا لتناقضات الرأسمالية: الشركة التي تستفيد من ارتفاع الأسعار، هي نفسها التي تتدخل لتخفيف أثرها. لا حبا في المستهلك، بل حفاظا على توازن دقيق: توازن يمنع الانفجار.
لكن الأزمة، في حقيقتها، لم تعد أزمة سعر فقط، بل أزمة نموذج. نموذج طاقي يشيخ، عالم يعتمد على موارد محدودة، وشهية استهلاك لا تعرف الشبع. كأن العالم، كما تقول العبارة الشعبية، “أصبح يأكل أكثر مما يطبخ”. ما نراه اليوم ليس ذروة الأزمة، بل ملامحها الأولى وهي”تطلّ بأنفها وكرشها”، كما لو كانت كائنا ضخما يتمدّد في الغرفة، ولا أحد يجرؤ على مواجهته. الوقود ليس المشكلة، بل العرض. قد يخفّف قرار طوطال الألم مؤقتا، وقد يبطئ الارتفاع، وقد يمنح الناس هدنة قصيرة. لكن الحقيقة التي لا يمكن الهروب منها: لا يمكن لأي سقف سعري أن يخفي طويلا سقف الأزمة. نحن أمام لحظة تاريخية حيث لم يعد السؤال: كم يبلغ سعر اللتر؟ بل أصبح: إلى متى يمكن لهذا العالم أن يستمر على هذا النحو… قبل أن يشتعل بالكامل؟
📲 Partager sur WhatsApp