التصريح الملغوم لعصمان سونكو

بقلم زكية لعروسي. باريس

في زلة دبلوماسية غير محسوبة، خرج الوزير الأول السنغالي عصمان سونكو بتصريح مستفز حين قال إن «إفريقيا تضم 55 دولة»، في إشارة مبطنة لا تخطئها العين إلى الكيان الوهمي الذي لا تعترف به الأمم المتحدة ولا الشرعية الدولية. تصريح يطرح أكثر من علامة استفهام، ويستدعي قراءة عميقة لما وراء الكلمات، لأن الدبلوماسية ليست مجرد أرقام ترمى، بل رسائل توزن بميزان الذهب. إن الحديث عن “55 دولة” يتناقض بشكل صارخ مع المعطى القانوني الثابت الذي تقره الأمم المتحدة، والتي تعترف بـ54 دولة إفريقية فقط. وبالتالي، فإن هذا الانزلاق اللفظي، سواء كان مقصودا أو غير ذلك، يضع صاحبه في منطقة رمادية، حيث تختلط الحسابات السياسية الداخلية بالإشارات الخارجية التي قد تفهم كتحول في الموقف. لكن السؤال الجوهري هو: ماذا تبحث الدبلوماسية السنغالية من وراء هذا التلميح؟ هل هو مجرد خطاب موجه للاستهلاك الداخلي؟ أم محاولة لإعادة تموضع في سياق إقليمي معقد؟ أم أنه تعبير عن ارتباك في قراءة التحولات الجيوسياسية التي تعرفها القارة؟

المؤكد أن السنغال لطالما كانت من الدول التي نسجت علاقات متينة مع المغرب، علاقات تتجاوز الظرفي إلى التاريخي والروحي والاقتصادي. فمن الزوايا الصوفية التي تربط الشعبين، إلى الشراكات الاقتصادية والاستثمارات، ظل المغرب حاضرا في العمق السنغالي كشريك موثوق لا يتغير بتغير الحكومات. ومن هنا، يبدو هذا التصريح نشازا في سمفونية العلاقات الثنائية، وخروجا عن خط ظل ثابتا لعقود. فالمثل المغربي يقول: “اللي حرثو الجمل دكّو”، في إشارة إلى أن ما بني بجهد كبير لا ينبغي التفريط فيه بكلمة عابرة أو موقف ملتبس. أما المغرب، فهو أكبر من أن ينجرّ إلى ردود فعل انفعالية أمام مثل هذه التصريحات العوجاء. فالدبلوماسية المغربية، بقيادة محمد السادس، تشتغل بمنطق الدولة العميقة، لا بمنطق اللحظة العابرة. هي دبلوماسية تعرف متى تصمت، ومتى تتكلم، ومتى تترك الزمن كفيلا بتصحيح الانحرافات. وكما يقول المثل: “القافلة تسير والكلاب تنبح”، فإن المغرب ماض في ترسيخ سيادته، وتعزيز حضوره الدولي، وحصد الاعترافات بمغربية صحرائه، غير آبه بالأصوات النشاز التي تحاول السباحة عكس التيار.

إن قوة المغرب لا تكمن فقط في مواقفه، بل في ثباته، وفي شبكة علاقاته، وفي مصداقيته التي بناها عبر عقود. أما التصريحات المرتبكة، فهي كفقاعات الصابون: تلمع لحظة، ثم تختفي دون أثر. تبقى العلاقات المغربية السنغالية أكبر من تصريح، وأعمق من زلة، لكنها في الآن ذاته تحتاج إلى وضوح لا لبس فيه، لأن في السياسة، كما في الحياة: “الكلمة اللي تخرج من الفم ما ترجعش”.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *