هل نحن مغاربة كاملون… أم أنصاف حضور بالخارج؟

An intimate view of a vintage fountain pen poised over handwritten Arabic text.

بقلم زكية لعروسي، باريس

رسالة مفتوحة إلى صناع القرار: وزارة الخارجية, وزارة الثقافة, ووزارة الداخلية

في زمن تتشعّب فيه الهويات كما الجذور، وتتمدّد الجاليات خارج أوطانها كما الأنهار بحثا عن مصبّاتها، تبرز الجالية المغربية في الخارج كواحدة من أكثر الجاليات حيوية وغنى وتنوعا. غير أن هذا الغنى ، لا يجد دائما صداه داخل مؤسسات الدولة المغربية المنتشرة خارج الحدود: السفارات، القنصليات، والمراكز الثقافية. وهنا يبدأ السؤال المؤرق: لماذا يغيب أبناء الجالية, -خاصة النخب المتعلمة، خريجو الجامعات العريقة والمدارس الكبرى- عن تمثيل بلدهم في هذه المؤسسات؟ أهو غياب اختياري… أم إقصاء غير معلن… أم خلل بنيوي في الرؤية؟

إن الجالية المغربية ليست مجرد امتداد عددي للوطن، بل هي خزان استراتيجي للكفاءات. فيها القانوني الذي تمرّس في أرقى الأنظمة القضائية، والاقتصادي الذي خبر الأسواق العالمية، والمثقف الذي تشكّل في فضاءات متعددة اللغات والهويات. هؤلاء ليسوا فقط مغاربة بالخارج، بل جسور حيّة بين المغرب والعالم. فكيف يعقل أن تبقى هذه الجسور خارج دوائر التأثير الرسمي؟

من الناحية السوسيولوجية، يمكن القول إن عدم الاستثمار في الجالية إنما هو هدر لجزء من الذاكرة المستقبلية. فالجالية ليست فقط تحويلات مالية، بل تحويلات رمزية وثقافية ومعرفية. وهي الأقدر على فهم تعقيدات الاندماج، وإشكالات الهوية، والتوترات الثقافية التي يعيشها المغربي في الخارج. وبالتالي، فإن إشراكها في التمثيل الدبلوماسي أصبح ضرورة.

أما من زاوية نفسية، فإن الإقصاء -أو حتى الإحساس به- يخلق شرخا في الانتماء. حين يشعر المغربي في الخارج أن مؤسسات بلده لا تعكسه، ولا تشبهه، ولا تمنحه فرصة المشاركة، يتسلل إليه سؤال خطير: هل أنا مغربي كامل… أم مجرد رقم في سجل القنصلية؟ إن السفارات والقنصليات ليست فقط فضاءات إدارية، بل هي واجهات رمزية للهوية الوطنية. ومن غير المنطقي أن تُدار هذه الواجهات بمعزل عن أولئك الذين يعيشون يوميا في قلب السياقات التي يفترض أن تتعامل معها هذه المؤسسات. فابن الجالية، الذي يتنفس ثقافتين أو أكثر، أقدر على الترجمة, ليس فقط اللغوية، بل الحضارية.

من هنا، تتوجّه هذه الكلمات كرسالة مفتوحة إلى صنّاع القرار: إلى وزارة الخارجية، إلى وزارة الداخلية، إلى المؤسسات الثقافية والمهنية، إلى كل من يملك سلطة إعادة التفكير في هذا الملف. لماذا لا يفتح الباب أمام كفاءات الجالية لتولي مناصب في السفارات والقنصليات؟ لماذا لا يتم بناء نموذج دبلوماسي ، يجمع بين التكوين الوطني والخبرة الدولية؟ لقد آن الأوان للانتقال من منطق التمثيل التقليدي إلى منطق التمثيل التشاركي. من دبلوماسية تدار من الداخل فقط، إلى دبلوماسية تُبنى من الداخل والخارج معا

.

المغرب اليوم ليس فقط ما يقع داخل حدوده الجغرافية، بل أيضا ما يمتد في عقول وقلوب أبنائه المنتشرين عبر العالم. وكما يقول المثل: “اللي ما عندو قديم، ما عندو جديد”. والجالية هي هذا “القديم” المتجدد، الذي يحمل الوطن معه أينما ذهب، ويعيد تشكيله في كل سياق. فهل نملك الجرأة لنعيد دمج هذه الطاقة في جسد الدولة؟ أم سنظل ندير مؤسساتنا بالخارج وكأنها جزر معزولة عن محيطها البشري المغترب؟ السؤال ليس إداريا فقط… بل وجودي. لأن الوطن الذي لا يتّسع لأبنائه في تمثيله… قد يضيق بهم في انتمائهم.

📲 Partager sur WhatsApp

One thought on “هل نحن مغاربة كاملون… أم أنصاف حضور بالخارج؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *