الإعلام وإعادة الرواية السياسية

El Bachir Haymari

بقلم الصحافي حيمري البشير, كوبنهاكن-الدنمارك

في خضمّ الحروب المعاصرة، لم يعد الإعلام مجرّد ناقل للأحداث، بل تحوّل إلى فاعل رئيسيّ في تشكيل الوعي وصياغة المواقف. ومن هنا تبرز إشكالية المصداقية بوصفها جوهر الصراع الإعلامي، حيث تختلط الوقائع بالسرديات المصنوعة بعناية. إن المتابع الحصيف للتغطيات الإعلامية، سواء في القنوات العربية أو الغربية، يلحظ أنّ ما يقدَّم لا يعكس دائما حقيقة ما يجري على الأرض، بل يخضع في كثير من الأحيان لاعتبارات سياسية واستراتيجية. فالإعلام، في سياق الحرب، لا يعمل في فراغ، بل يتحرك ضمن منظومات نفوذ تتحكم في أولوياته، وتوجّه زاوية معالجته للأحداث. وهنا يصبح السؤال أكثر حدّة: هل نحن أمام إعلام ينقل الحقيقة، أم أمام أدوات ناعمة لإعادة إنتاج الرواية التي تخدم القوى المهيمنة؟

لقد برزت خلال الأزمات الكبرى، وعلى رأسها القضية الفلسطينية وما رافقها من مآس في غزة، فجوة واضحة بين حجم المعاناة المنقولة، وطبيعة السردية التي تبنى حولها. فبدل أن تتحوّل هذه التغطيات إلى رافعة وعي جماعيّ يعزّز الصمود ويكشف جذور الصراع، انزلقت -في كثير من الأحيان- إلى تكريس صورة الضحية العاجزة، مقابل تضخيم صورة القوة لدى الطرف الآخر. وهنا تكمن خطورة الخطاب الإعلامي حين يتحوّل من نقل الألم إلى إعادة إنتاجه نفسيا في وعي المتلقّي.

ولا يمكن إغفال أنّ بعض المنصات الإعلامية العربية، رغم انتشارها وتأثيرها، تعمل ضمن هوامش محدودة تفرضها حسابات سياسية معقّدة، الأمر الذي ينعكس على طبيعة خطابها. فاختيار الأخبار، وترتيب الأولويات، وحتى اللغة المستخدمة، كلها عناصر تُسهم في تشكيل إدراك الجمهور، وقد تتحول -عن قصد أو غير قصد- إلى أدوات توجيه تضعف روح المبادرة وتغذّي الإحباط.

في المقابل، يلاحظ أنّ الإعلام الغربي، وإن بدا أكثر احترافية من حيث الشكل، لا يخرج هو الآخر عن دائرة التأثير السياسي، حيث يتم توظيف مفاهيم مثل “الدفاع عن النفس” و“محاربة الإرهاب” لإضفاء شرعية على ممارسات تثير جدلا واسعا في القانون الدولي. وتزداد هذه الإشكالية تعقيدا داخل المؤسسات الدولية، حيث تتقاطع الروايات الإعلامية مع موازين القوى، فتعطَّل قرارات، وتمرَّر أخرى، وفق حسابات تتجاوز الاعتبارات الإنسانية.

إنّ التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في كشف التحيّزات، بل في بناء بديل إعلامي يمتلك القدرة على الجمع بين المهنية والوعي، بين نقل الحقيقة وتحفيز الأمل. فالإعلام المسؤول لا يكتفي بعرض صور الدمار، بل يسعى إلى تفسيرها، ووضعها في سياقها، وفتح آفاق الفهم أمام الجمهور، بدل أن يتركه أسيرا لمشاعر العجز والانكسار.

إنّ الحاجة اليوم ليست إلى إعلام تعبويّ يُخفي الحقائق، ولا إلى إعلام يكرّس الهزيمة النفسية، بل إلى خطاب متوازن يملك شجاعة النقد وصدق الطرح، ويُسهم في بناء وعيٍ قادر على التمييز بين الحقيقة والدعاية. فالمعركة في جوهرها ليست فقط على الأرض، بل في العقول أيضًا، ومن يمتلك القدرة على تشكيل الوعي، يمتلك جزءًا كبيرا من مفاتيح المستقبل.

وفي ظلّ هذا الواقع المعقّد، يبقى الرهان معقودا على وعي الجمهور نفسه، وعلى قدرته في تفكيك الخطاب الإعلامي، ورفض الانسياق وراء الروايات الجاهزة. فالإعلام، مهما بلغت قوته، لا يمكن أن يفرض تأثيره على عقل ناقد يقظ. ومن هنا تبدأ أولى خطوات استعادة الحقيقة، ومن ثمّ استعادة الأمل.

📲 Partager sur WhatsApp

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *