بقلم زكية لعروسي، باريس
في مسرحية العبث التي نعيشها، حيث يُختطف الإنسان لسنوات في زنازين إيران المظلمة، ثم يعود إلى وطنه ليكتشف أن الخطر الحقيقي لم يكن في طهران، بل في مركز الضرائب في بلدته! بنجامين بريير، الذي دفع ثمن الحرية بثلاثة أعوام من الأسر، يُفاجأ بأن الدولة التي كان ينتظر عودته إليها كالحلم، تنتظره بورقة إيداريه لا ترحم.
“حتى في السجن، تُسرَّح الضرائب”! كلمة لو قيلت في مسرحية إيوانيسكو لصفق لها الجمهور. لكنها قيلت على لسان موظفة ضرائب فرنسية، لرجل كان يعد الأيام حتى لا يعدم في بلد لا يعرف حقوق الإنسان. ولو كان الاعتذار…
نعم، جاء الاعتذار. ولكن متى؟ بعد أن تحولت القصة إلى فضيحة إعلامية. فالاعتذار الفرنسي، كالعطور الباريسية، ينطلق ذكيا بعد فوات الأوان. “ندرك بشدة”… “حالة استثنائية”… كلمات بروتوكولية تليق بموظف كبير يكتشف أن مرؤوسيه تجاوزوا حدود الكوميديا السوداء· الموت لا ينسى أحدا، والضرائب كذلك. لكن من كان يظن أن الضرائب أشد إصرارا من الموت؟
ثلاث سنوات في سجون إيران لم تمنعه من واجب المواطنة الصالح, وأسبوعان في باريس كافية لتذكره بأن “الدولة” لا تعرف الرحمة حتى مع أبطالها. إنه درس فلسفي ساخر: الإنسان عندما يعود من الجحيم الإيراني، يظن أنه اجتاز أصعب اختبار. لكنه يكتشف أن الجحيم الحقيقي هو البيروقراطية الفرنسية التي لا تعترف بالاستثناءات، حتى لو كان الاستثناء هو أنك كنت أسيرا لدى نظام يعدم الناس لعدم أدائهم “ضرائب الولاية الفقيه”.
نعم، رجعت المياه إلى مجاريها. لكن السؤال الذي يبقى معلقا في الهواء الباريسي البارد: كم بنجامين بريير آخر لا يملك حسا إعلاميا، ولا صحفيا ينشر قصته، ولا محاميا شهيرا، ولا يزال يدفع “غرامات التأخير” على سنوات لم يعشها؟ كم أسيرا عاد ليجد نفسه مسجونا في ملفات الإدارة؟
عندها فقط نفهم عمق المقولة القديمة: “في الحياة شيئان مؤكدان: الموت والضرائب”… لكن أحدا لم يخبرنا أن الثالث هو “السخرية السوداء” التي تكتبها لنا البيروقراطية مجانا، دون حقوق طبع أو نشر.
📲 Partager sur WhatsApp